تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1109

مساهمون:

ص١١٠٩
حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا ، وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ . ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ . أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحاسِبِينَ »
. وتتجلى في فطرة المكذبين أنفسهم ، حين يواجهون الهول ؛ فلا يدعون إلا اللّه لرفعه عنهم . . ثم هم مع ذلك يشركون ، وينسون أن اللّه ، الذي يدعونه لكشف الضر ، قادر على أن يذيقهم ألوان العذاب فلا يدفعه عنهم أحد :
« قُلْ : مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً : لَئِنْ أَنْجانا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ ؟ قُلِ : اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْها وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ، ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ . قُلْ : هُوَ الْقادِرُ عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ ، أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ . انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ »
.
« قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ . قُلْ لا أَتَّبِعُ أَهْواءَكُمْ . قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً وَما أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ . . قُلْ إِنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي - وَكَذَّبْتُمْ بِهِ - ما عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ . إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ ، وَهُوَ خَيْرُ الْفاصِلِينَ . قُلْ : لَوْ أَنَّ عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ »
. . تحتشد هذه الموجة بالمؤثرات الموحية ، التي تتمثل في شتى الإيقاعات التي تواجه القلب البشري بحقيقة الألوهية في شتى مجاليها . . ومن بين هذه المؤثرات العميقة ، ذلك الإيقاع المتكرر : « قل . . قل . . قل . . » خطابا لرسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - ليبلغ عن ربه ، ما يوحيه إليه ؛ وما لا يملك غيره ؛ ولا يتبع غيره ؛ ولا يستوحي غيره :
« قُلْ : إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ . قُلْ : لا أَتَّبِعُ أَهْواءَكُمْ . قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً ، وَما أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ »
. . يأمر اللّه - سبحانه - رسوله صلى اللّه عليه وسلم ، أن يواجه المشركين بأنه منهي من ربه عن عبادة الذين يدعونهم من دون اللّه ويتخذونهم أندادا للّه . . ذلك أنه منهي عن اتباع أهوائهم - وهم إنما يدعون الذين يدعون من دون اللّه عن هوى لا عن علم ، ولا عن حق - وأنه إن يتبع أهواءهم هذه يضل ولا يهتدي . فما تقوده أهواؤهم وما تقودهم إلا إلى الضلال . يأمر اللّه - سبحانه - نبيه - صلى اللّه عليه وسلم - أن يواجه المشركين هذه المواجهة ، وأن يفاصلهم هذه المفاصلة ؛ كما أمره من قبل في السورة بمثل هذا وهو يقول :
« أَ إِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرى ؟ قُلْ : لا أَشْهَدُ . قُلْ : إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ ، وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ »
. . ولقد كان المشركون يدعون رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - أن يوافقهم على دينهم ، فيوافقوه على دينه ! وأن يسجد لآلهتهم فيسجدوا لإلهه ! كأن ذلك يمكن أن يكون ! وكأن الشرك والإسلام يجتمعان في قلب ! وكأن العبودية للّه يمكن أن تقوم مع العبودية لسواه ! وهو أمر لا يكون أبدا . فاللّه أغنى الشركاء عن الشرك . وهو يطلب من عباده أن يخلصوا له العبودية ؛ ولا يقبل منهم عبوديتهم له إذا شابوها بشيء من العبودية لغيره . . في قليل أو كثير . . ومع أن المقصود في الآية أن يواجههم رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - بأنه منهي عن عبادة أيٍّ مما يدعون ويسمون من دون اللّه ، فإن التعبير ب « الذين » في قوله تعالى :
« قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ » *
. .
في ظلال القرآن — صفحة 1109 | سيد قطب