تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1108

مساهمون:

ص١١٠٨
هذه الموجة عودة إلى « حقيقة الألوهية » بعد بيان « حقيقة الرسالة وحقيقة الرسول » في الموجة السابقة لها في السياق المتلاحم ؛ وبعد استبانة سبيل المجرمين واستبانة سبيل المؤمنين - كما ذكرنا ذلك في نهاية الفقرة السابقة . وحقيقة الألوهية في هذه الموجة تتجلى في مجالات شتى ؛ نجملها هنا - قبل تفصيلها في استعراض النصوص القرآنية : تتجلى في قلب رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - وهو يجد في نفسه بينة من ربه ، هو منها على يقين ، لا يزعزعه تكذيب المكذبين . ومن ثم يخلص نفسه لربه ، ويفاصل قومه مفاصلة المستيقن من ضلالهم يقينه من هداه
« قُلْ : إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ . قُلْ : لا أَتَّبِعُ أَهْواءَكُمْ ، قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً وَما أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ . قُلْ : إِنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ . ما عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ ، إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ، يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفاصِلِينَ »
. . وتتجلى في حلم اللّه على المكذبين ، وعدم استجابته لاقتراحاتهم أن ينزل عليهم خارقة مادية حتى لا يعجل لهم بالعذاب عند تكذيبهم بها - كما جرت سنته تعالى - وهو قادر عليه . ولو كان رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - يملك هذا الذي يستعجلون به ، ما أمسكه عنهم ، ولضاقت بشريته بهم وبتكذيبهم . فإمهالهم هذا الإمهال هو مظهر من مظاهر حلم اللّه ورحمته ، كما أنها مجال تتجلى فيه ألوهيته :
« قُلْ : لَوْ أَنَّ عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ »
. . وتتجلى في علم اللّه بالغيب ؛ وإحاطة هذا العلم بكل ما يقع في هذا الوجود ؛ في صورة لا تكون إلا للّه ؛ ولا يصورها هكذا إلا اللّه :
« وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ ، وَيَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ، وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُها ، وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ ، وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ »
. . وتتجلى في هيمنة اللّه على الناس وقهره للعباد في كل حالة من حالاتهم ، في النوم والصحو ، في الموت والحياة ، في الدنيا والآخرة :
« وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ ، وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ ، ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضى أَجَلٌ مُسَمًّى ، ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ، ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ . وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ ، وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً ،