تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1105

مساهمون:

ص١١٠٥
فحسبنا هذا القدر هنا . . وحسبنا الإيحاءات القوية العميقة التي تفيض بها النصوص ذاتها ، وتسكبها في القلوب المستنيرة « 1 » .
« وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ ، وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ »
. . ختام هذه الفقرة التي قدمت طبيعة الرسالة وطبيعة الرسول في هذه النصاعة الواضحة . كما قدمت هذه العقيدة عارية من كل زخرف ؛ وفصلت الاعتبارات والقيم التي جاءت هذه العقيدة لتلغيها من حياة البشرية ؛ والاعتبارات والقيم التي جاءت لتقررها . .
« وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ »
. . بمثل هذا المنهج ، وبمثل هذه الطريقة ، وبمثل هذا البيان والتفصيل . . نفصل الآيات ، التي لا تدع في هذا الحق ريبة ؛ ولا تدع في هذا الأمر غموضا ؛ ولا تبقى معها حاجة لطلب الخوارق ؛ فالحق واضح ، والأمر بين ، بمثل ذلك المنهج الذي عرض السياق القرآني منه ذلك النموذج . . على أن كل ما سبق في السورة من تفصيل لدلائل الهدى وموحيات الإيمان ؛ ومن بيان للحقائق وتقرير للوقائع ، يعتبر داخلا في مدلول قوله تعالى :
« وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ »
. . أما ختام هذه الآية القصيرة :
« وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ »
. . فهو شأن عجيب ! . . إنه يكشف عن خطة المنهج القرآني في العقيدة والحركة بهذه العقيدة ! إن هذا المنهج لا يعنى ببيان الحق وإظهاره حتى تستبين سبيل المؤمنين الصالحين فحسب . إنما يعنى كذلك ببيان الباطل وكشفه حتى تستبين سبيل الضالين المجرمين أيضا . . إن استبانة سبيل المجرمين ضرورية لاستبانة سبيل المؤمنين . وذلك كالخط الفاصل يرسم عند مفرق الطريق ! إن هذا المنهج هو المنهج الذي قرره اللّه - سبحانه - ليتعامل مع النفوس البشرية . . ذلك أن اللّه سبحانه يعلم أن إنشاء اليقين الاعتقادي بالحق والخير يقتضي رؤية الجانب المضاد من الباطل والشر ؛ والتأكد من أن هذا باطل ممحض وشر خالص ؛ وأن ذلك حق ممحض وخير خالص . . كما أن قوة الاندفاع بالحق لا تنشأ فقط من شعور صاحب الحق أنه على الحق ؛ ولكن كذلك من شعوره بأن الذي يحاده ويحاربه إنما هو على الباطل . . وأنه يسلك سبيل المجرمين ؛ الذين يذكر اللّه في آية أخرى أنه جعل لكل نبي عدوا منهم
« وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ »
. . ليستقر في نفس النبي ونفوس المؤمنين ، أن الذين يعادونهم إنما هم المجرمون ؛ عن ثقة ، وفي وضوح ، وعن يقين . إن سفور الكفر والشر والإجرام ضروري لوضوح الإيمان والخير والصلاح . واستبانة سبيل المجرمين هدف من أهداف التفصيل الرباني للآيات . ذلك أن أي غبش أو شبهة في موقف المجرمين وفي سبيلهم ترتد
هامش
( 1 ) لاستكمال بعض جوانب الرؤية لهذه الحقيقة الكبيرة ، يراجع تفسير قوله تعالى :« عَبَسَ وَتَوَلَّى ، أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى . . . »في الجزء الثلاثين من هذه الظلال .