تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1096

مساهمون:

ص١٠٩٦
الدعوات والصلوات ! ولكنهما - نبوءة السحر ونبوءة الكهانة - تخالفان نبوة الجذب والجنون المقدس . لأن الساحر والكاهن يدريان بما يطلبان ، ويريدان قصدا ما يطلبانه بالعزائم والصلوات ، ولكن المصاب بالجذب أو الجنون المقدس مغلوب على أمره ، ينطلق لسانه بالعبارات المبهمة وهو لا يعنيها ، ولعله لا يعيها . ويكثر بين الأمم التي تشيع فيها نبوة الجذب أن يكون مع المجذوب مفسر يدعي العلم بمغزى كلامه ، ولحن رموزه وإشاراته . وقد كانوا في اليونان يسمون المجذوب « مانتي » «
Manti
» ويسمون المفسر : « بروفيت » «
Prophet
» أي المتكلم بالنيابة عن غيره . ومن هذه الكلمة نقل الأوربيون كلمة النبوة بجميع معانيها . وقلما يتفق الكهنة والمجذوبون ، إلا أن يكون الكاهن متوليا للتفسير والتعبير عن مقاصد المجذوب ، ومضامين رموزه وإشاراته . ويحدث في أكثر الأحيان أن يختلفا ويتنازعا لأنهما مختلفان بوظيفتهما الاجتماعية مختلفان بطبيعة النشأة والبيئة . فالمجذوب ثائر لا يتقيد بالمراسم والأوضاع المصطلح عليها ، والكاهن محافظ يتلقى علمه الموروث في أكثر الأحيان من آبائه وأجداده . وتتوقف الكهانة على البيئة التي تنشأ فيها الهياكل والصوامع المقصودة في الأرجاء القريبة والبعيدة ؛ ولا يتوقف الجذب على هذه البيئة ، لأنه قد يعتري صاحبه في البرية ، كما يعتريه في الحاضر المقصود من أطراف البلاد » « 1 » . « وقد كثر عدد الأنبياء في قبائل بني إسرائيل كثرة يفهم منها أنهم كانوا في أزمنتهم المتعاقبة يشبهون في العصور الحديثة أصحاب الأذكار ، ودراويش الطرق الصوفية ، لأنهم جاوزوا المئات في بعض العهود ، واصطنعوا من الرياضة في جماعاتهم ما يصطنعه هؤلاء الدراويش من التوسل إلى حالة الجذب تارة بتعذيب الجسد ، وتارة بالاستماع إلى آلات الطرب . « جاء في كتاب صموئيل الأول : أن شاول أرسل لأخذ داود رسلا . . « فرأوا جماعة الأنبياء يتنبئون ، وشاول واقف بينهم رئيسا عليهم . فهبط روح اللّه على رسل شاول ، فتنبئوا هم أيضا . وأرسل غيرهم فتنبأ هؤلاء . . . فخلع هو أيضا ثيابه ، وتنبأ هو أيضا أمام صموئيل ، وانتزع عاريا ذلك النهار كله وكل الليل » . . « وجاء في كتاب صموئيل كذلك : « . . . أنك تصادف زمرة من الأنبياء نازلين من الأكمة ، وأمامهم رباب ودف وناي وعود ، وهم يتنبئون ، فيحل عليهم روح الرب ، فتتنبأ معهم ، وتتحول إلى رجل آخر . « وكانت النبوة صناعة وراثية يتلقاها الأبناء من الآباء كما جاء في سفر الملوك الثاني : « إذ قال بنو الأنبياء يا ليشع : هو ذا الموضع الذي نحن مقيمون فيه أمامك قد ضاق علينا ، فلنذهب إلى الأردن » . « وكانت لهم خدمة تلحق بالجيش في بعض المواضع ، كما جاء في سفر الأيام الأول . حيث قيل : إن داود ورؤساء الجيش أفرزوا للخدمة بني أساف وغيرهم من المتنبئين بالعيدان والرباب والصنوج » « 2 » . . .
هامش
( 1 ) عن كتاب : « حقائق الإسلام وأباطيل خصومه » للأستاذ العقاد ص 60 . . ونحن ننقل عن الكتاب ما نستشهد به في هذا الموضع دون إقرار لمنهج المؤلف في تقريره لتطور صورة الألوهية وصورة النبوة في الأديان - بما فيها الأديان السماوية - حتى بلغت كمالها في الإسلام . فهذه الصورة واحدة في جميع الأديان السماوية الصحيحة . ولا عبرة بما دخل عليها من التحريف بعد ارتداد أهلها إلى الجاهلية ، وتحريفهم لما جاءهم به الرسل ، وإخضاعه لتصوراتهم الجاهلية . . والقرآن الكريم ، وهو أصدق سجل ، يقرر هذا الذي نقول . ولا عبرة بما يقوله علماء الأديان الغربيون في هذا من الفروض والظنون ! ( 2 ) المصدر السابق 66 .
في ظلال القرآن — صفحة 1096 | سيد قطب