وبعد بيان حقيقة الرسالة وحقيقة الرسول ، وتقديمها للناس مبرأة من كل ما علق بصورة النبوة وصورة النبي من أوهام وأضاليل . يقدم القرآن عقيدته للناس مجردة من كل إغراء خارج عن طبيعتها ، ومن كل زينة زائدة عن حقيقتها . . فالرسول الذي يقدمها للناس بشر ، لا يملك خزائن اللّه ، ولا يعلم الغيب ، ولا يقول لهم : إني ملك . . وهو لا يتلقى إلا من ربه ، ولا يتبع إلا ما يوحى إليه منه . والذين يقبلون دعوته هم أكرم البشر عند اللّه ، وعليه أن يلزمهم ، وأن يهش لهم ، وأن يبلغهم ما كتبه اللّه لهم على نفسه من الرحمة والمغفرة .
كما أن عليه إنذار الذين تتحرك ضمائرهم من خشية الآخرة ؛ ليصلوا إلى مرتبة التقوى ، وفي هذا وذلك تنحصر وظيفته ، كما أنه في « البشرية » وفي « تلقي الوحي » تنحصر حقيقته . فتصح في التصورات حقيقته ووظيفته جميعا . . ثم إنه بهذا التصحيح ، وبهذا الإنذار ، تستبين سبيل المجرمين ، عند مفرق الطريق ، ويتضح الحق والباطل ، وينكشف الغموض والوهم حول طبيعة الرسول وحول حقيقة الرسالة ، كما ينكشف الغموض حول حقيقة الهدى وحقيقة الضلال ، وتتم المفاصلة بين المؤمنين وغير المؤمنين في نور وفي يقين .
وفي ثنايا الإفصاح عن هذه الحقائق يعرض السياق جوانب من حقيقة الألوهية ، وعلاقة الرسول بها ، وعلاقة الناس جميعا - الطائعين منهم والعصاة - ويتحدث عن طبيعة الهدى وطبيعة الضلال عن هذه الحقيقة . فالهدى إليها بصر والضلال عنها عمى . واللّه كتب على نفسه الرحمة متمثلة في التوبة على عباده والمغفرة لما يرتكبونه من المعاصي في جهالة متى تابوا منها وأصلحوا بعدها . وهو يريد أن تستبين سبيل المجرمين ، فيؤمن من يؤمن عن بينة ، ويضل من يضل عن بينة ، ويتخذ الناس مواقفهم في وضوح لا تغشيه الأوهام والظنون . .
« قُلْ : لا أَقُولُ لَكُمْ : عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ ، وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ ، وَلا أَقُولُ لَكُمْ : إِنِّي مَلَكٌ . إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ قُلْ : هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ ؟ أَ فَلا تَتَفَكَّرُونَ »
. .
لقد كان المعاندون من قريش يطلبون أن يأتيهم رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - بآية من الخوارق يصدقونه بها - وهم كانوا كما أسلفنا يعلمون صدقه ولا يشكون فيه - وتارة كانوا يطلبون أن تكون هذه الآية تحويل الصفا والمروة ذهبا ! وتارة تكون إبعادهما عن مكة ليصبح مكانهما خصبا مخضرا بالزروع والثمار ! وتارة تكون إنباءهم بما سيقع لهم من أحداث مغيبة ! وتارة تكون طلب إنزال ملك عليه ! وتارة تكون طلب كتاب مكتوب في قرطاس يرونه يتنزل عليه من السماء . . إلى آخر هذه المطالب التي يوارون وراءها تعنتهم وعنادهم ! ولكن هذه المطالب كلها إنما كانوا يصوغون فكرتها من تلك الأوهام والأساطير التي أحاطت بصورة النبوة وصورة النبي في الجاهليات من حولهم ، وأقربها إليهم أوهام أهل الكتاب وأساطيرهم حول النبوة ، بعد ما انحرفوا عما جاءتهم به رسلهم من الحق الواضح في هذه الأمور . .
ولقد شاعت في الجاهليات المتنوعة صور من « النبوءات » الزائفة ، يدعيها « متنبئون » ويصدقها مخدوعون . .
ومن بينها نبوءات السحر والكهانة والتنجيم والجنون ! حيث يدعي المتنبئون قدرتهم على العلم بالغيب ، والاتصال بالجن والأرواح ، وتسخير نواميس الطبيعة بالرقى والتعاويذ ، أو بالدعوات والصلوات ، أو بغيرها من الوسائل والأساليب . وتتفق كلها في الوهم والضلالة ، وتختلف بعد ذلك في النوع والشكل والمراسم والأساليب .
« فنبوءة السحر يغلب عليها أنها موكلة بالأرواح الخبيثة تسخرها للاطلاع على المجهول أو السيطرة على الحوادث والأشياء . ونبوءة الكهانة يغلب عليها أنها موكلة « بالأرباب ! » لا تطيع الكاهن ، ولكنها تلبي دعواته وصلواته وتفتح لها مغالق المجهول في يقظته أو منامه ، وترشده بالعلامات والأحلام ، ولا تلبي سائر