بعد حادثة ، وصورة بعد صورة . . حيث يتعذر عليه أن يرى الوجود جملة ، ليقيم على أساس هذه الرؤية الكاملة أحكاما ، ويضع على أساسها نظاما ، ملحوظا فيه الشمول والتوازن . . ومن ثم يظل - حين ينعزل عن منهج اللّه وهداه - يرتاد التجارب ، ويغير الأحكام ، ويبدل النظام ، ويضطرب بين الفعل وردود الفعل ، ويتخبط من أقصى اليمين إلى أقصى الشمال . . وهو في ذلك كله يحطم كائنات بشرية عزيزة ، وأجهزة إنسانية كريمة . . ولو اتبع الوحي لكفى البشر هذا الشر كله ؛ وجعل التجارب والتقلبات في « الأشياء » وفي « المادة » وفي « الأجهزة » وفي « الآلات » . . وهي مجاله الطبيعي الذي يمكن أن يستقل فيه . والخسارة في النهاية مواد وأشياء . لا أنفس وأرواح ! ويتعرض لهذا كله - بعد طبيعة تركيبه - بسبب ما ركب في الكيان البشري من شهوات وأهواء ونزعات ، لا بد لها من ضابط ، يضمن أن تؤدي وظائفها في استمرار حياة البشرية وارتقائها ، ولا تتعدى هذا الحد المأمون فتؤدي إلى تدمير الحياة أو انتكاسها ! وهذا الضابط لا يمكن أن يكون هو العقل البشري وحده ؛ فلا بد لهذا العقل الذي يضطرب تحت ضغط الأهواء والشهوات والنزعات - وهي شتى - من ضابط آخر يضبطه هو ذاته ؛ ويحرسه بعد أن يضبطه من الخلل أيضا ، ويرجع إليه هذا العقل بكل تجربة ، وكل حكم - في مجال الحياة البشرية - ليقوّم به تجربته وحكمه ، وليضبط به اتجاهه وحركته .
والذين يزعمون للعقل البشري درجة من الأصالة في الصواب كدرجة الوحي ، باعتبار أن كليهما - العقل والوحي - من صنع اللّه فلا بد أن يتطابقا . . هؤلاء إنما يستندون إلى تقريرات عن قيمة العقل قال بها بعض الفلاسفة من البشر ، ولم يقل بها اللّه سبحانه ! والذين يرون أن هذا العقل يغني عن الوحي - حتى عند فرد واحد من البشر مهما بلغ عقله من الكبر - إنما يقولون في هذه القضية غير ما يقول اللّه . . فاللّه قد جعل حجته على الناس هي الوحي والرسالة ، ولم يجعل هذه الحجة هي عقلهم البشري ، ولا حتى فطرتهم التي فطرهم اللّه عليها من معرفة ربها الواحد والإيمان به .
لأن اللّه سبحانه يعلم أن العقل وحده يضل ، وأن الفطرة وحدها تنحرف . وأنه لا عاصم لعقل ولا لفطرة ، إلا أن يكون الوحي هو الرائد الهادي ، وهو النور والبصيرة « 1 » والذين يزعمون أن الفلسفة تغني العقل عن الدين ؛ أو أن العلم - وهو من منتجات العقل - يغني البشرية عن هدى اللّه ؛ إنما يقولون قولا لا سند له من الحقيقة ولا من الواقع كذلك . . فالواقع يشهد أن الحياة البشرية التي قامت أنظمتها على المذاهب الفلسفية أو على العلم ، هي أبأس حياة يشقى فيها « الإنسان » مهما فتحت عليه أبواب كل شيء ؛ ومهما تضاعف الإنتاج والإيراد ؛ ومهما تيسرت أسباب الحياة ووسائل الراحة فيها على أوسع نطاق « 2 » . . وليس مقابل هذا أن تقوم الحياة على الجهل والتلقائية ! فالذين يضعون المسألة هكذا مغرضون ! فإن الإسلام منهج حياة يكفل للعقل البشري الضمانات التي تقيه عيوب تركيبه الذاتي ، وعيوب الضغوط التي تقع عليه من الأهواء والشهوات والنزعات . ثم يقيم له الأسس ، ويضع له القواعد ، التي تكفل استقامته في انطلاقه للعلم والمعرفة والتجربة ؛ كما تكفل له استقامة الحياة الواقعية التي يعيش في ظلها - وفق شريعة اللّه - فلا يضغط عليه الواقع لينحرف بتصوراته ومناهجه كذلك !
هامش
( 1 ) يراجع تفسير قوله تعالى : « رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على اللّه حجة بعد الرسل » في الجزء السادس من هذه الطبعة من الظلال : ص 805 - 809
( 2 ) يراجع فصل : « تخبط واضطراب » في كتاب : « الإسلام ومشكلات الحضارة » . « دار الشروق » .