تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1084

مساهمون:

ص١٠٨٤
الحكم المطلق في فترة من الفترات هو الزي المطلوب في فترة التجميع القومي للولايات المتناثرة كما في ألمانيا وإيطاليا أيام بسمرك وما تزيني مثلا ! وغدا من يدري ما ذا يكون الزي الشائع من الأنظمة الاجتماعية الأرضية وأنظمة الحكم التي يضعها العبيد للعبيد ، فكيف يا ترى ستقولون غدا عن الإسلام ؟ لتقدموه للناس في الثوب الذي يحبه الناس ؟ ! إن التوجيه القرآني في هذه الموجة التي نحن بصددها - وفي غيرها كذلك - يشمل هذا كله . . إنه يريد أن يستعلي صاحب الدعوة بدينه ؛ فلا يستجيب لاقتراحات المقترحين ؛ ولا يحاول تزيين هذا الدين بغير اسمه وعنوانه ؛ ولا مخاطبة الناس به بغير منهجه ووسيلته . . إن اللّه غني عن العالمين . ومن لم يستجب لدينه عبودية له ، وانسلاخا من العبودية لسواه ، فلا حاجة لهذا الدين به ، كما أنه لا حاجة للّه - سبحانه - بأحد من الطائعين أو العصاة . ثم إنه إذا كان لهذا الدين أصالته من ناحية مقوماته وخصائصه ، التي يريد اللّه أن تسود البشرية . فإن له كذلك أصالته في منهجه في العمل ، وفي أسلوبه في خطاب الفطرة البشرية . . إن الذي نزل هذا الدين بمقوماته وخصائصه ، وبمنهجه الحركي وأسلوبه ، هو - سبحانه - الذي خلق الإنسان ، ويعلم ما توسوس به نفسه . . وفي هذه الموجة من السورة نموذج من مخاطبته للفطرة الإنسانية . . نموذج من نماذج متنوعة شتى . . فهو يربط الفطرة البشرية بالوجود الكوني ، ويدع الإيقاعات الكونية تواجه الفطرة البشرية ، ويثير انتباه الكينونة البشرية لتلقي هذه الإيقاعات . . وهو يعلم أنها تستجيب لها متى بلغتها بعمقها وقوتها :
« إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ »
. . والنموذج الذي يواجهنا في هذه الموجة هو :
« وَقالُوا : لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ ! قُلْ : إِنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً . وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ »
. . وفي هذه الآية يحكي قول الذين يكذبون ويعارضون ويطلبون خارقة يراها جيلهم وتنتهي . . ثم يلمس قلوبهم بما يكمن وراء هذا الاقتراح لو أجيب ! إنه الأخذ والتدمير ! واللّه قادر على أن ينزل الآية . . ولكن رحمته هي التي اقتضت ألا ينزلها ، وحكمته هي التي اقتضت ألا يستجيب لهم فيها . . وفجأة ينقلهم من هذا الركن الضيق في التصور والتفكير ، إلى الكون الواسع . إلى الآيات الكبرى من حولهم . الآيات التي تتضاءل دونها تلك الآية التي يطلبونها . الآيات الباقية في صلب الكون للأجيال كلها من قبلهم ومن بعدهم تراها :
« وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ ، وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ . ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ . ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ »
. . وهي حقيقة هائلة . . هي حقيقة تستطيع ملاحظتهم وحدها حينذاك - حيث لم يكن لهم علم منظم - أن تشهد بها . . حقيقة تجمع الحيوان والطير والحشرات من حولهم في أمم . . لها سماتها وخصائصها وتنظيماتها كذلك . . وهي الحقيقة التي تتسع مساحة رؤيتها كلما تقدم علم البشر ، ولكن علمهم لا يزيد شيئا على أصلها ! وإلى جانبها الحقيقة الغيبية الموصولة بها ، وهي إحاطة علم اللّه اللدني بكل شيء ، وتدبير اللّه لكل شيء . . وهي الحقيقة التي تشهد بها تلك الحقيقة المشهودة . . فأين تذهب الخارقة المادية التي كانوا يطلبون ، أمام الخارقة الكبرى التي يرونها حيثما امتدت أبصارهم وملاحظتهم وقلوبهم فيما كان وفيما سيكون ؟