تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1082

مساهمون:

ص١٠٨٢
الموعد المرسوم . . واللّه لا يعجل لأن الأذى والتكذيب يلحق بالدعاة - ولو كانوا هم الرسل - فإن استسلام صاحب الدعوة نفسه لقدر اللّه بلا عجلة ، وصبره على الأذى بلا تململ ، ويقينه في العاقبة بلا شك . . كلها مطلوبة من وراء تأجيل النصر إلى موعده المرسوم . ويحدد هذا التوجيه القرآني دور الرسول في هذا الدين - ودور الدعاة بعده في كل جيل - إنه التبليغ ، والمضي في الطريق ، والصبر على مشاق الطريق . . أما هدى الناس أو ضلالهم فهو خارج عن حدود واجبه وطاقته . . والهدى والضلال إنما يتبعان سنة إلهية لا تتبدل ، ولا يغير منها رغبة الرسول في هداية من يحب ، كما لا يغير منها ضيقه ببعض من يعاند ويحارب . . إن شخصه لا اعتبار له في هذه القضية ، وحسابه ليس على عدد المهتدين ، إنما حسابه على ما أدى وما صبر وما التزم ، وما استقام كما أمر . . وأمر الناس بعد ذلك إلى رب الناس . .
« مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ »
. .
« وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى »
. .
« إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ »
وقد بينا من قبل علاقة مشيئة اللّه الطليقة في الهدى والضلال باتجاه الناس وجهادهم . بما فيه الكفاية . من هنا لا ينبغي لصاحب الدعوة إلى هذا الدين ، أن يستجيب لاقتراحات المقترحين ممن يوجه إليهم الدعوة ، في تحوير منهج دعوته عن طبيعته الربانية ؛ ولا أن يحاول تزيين هذا الدين لهم وفق رغباتهم وأهوائهم وشهواتهم . . ولقد كان المشركون يطلبون الخوارق - وفق مألوف زمانهم ومستوى مداركهم كما حكى عنهم القرآن في مواضع منه شتى ، منها في هذه السورة
« وَقالُوا : لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ ! »
. .
« وَقالُوا : لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ »
. .
« وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِها »
. . وفي السور الأخرى ما هو أشد إثارة للعجب من هذه الاقتراحات . ذلك كالذي حكاه عنهم في سورة الإسراء :
« وَقالُوا : لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً . أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهارَ خِلالَها تَفْجِيراً . أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ - كَما زَعَمْتَ - عَلَيْنا كِسَفاً ، أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا . أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ ، أَوْ تَرْقى فِي السَّماءِ . وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتاباً نَقْرَؤُهُ ! »
. . وكالذي حكاه عنهم في سورة الفرقان :
« وَقالُوا ما لِهذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ ، لَوْ لا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ ، فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً . أَوْ يُلْقى إِلَيْهِ كَنْزٌ ، أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْها ! »
. . والتوجيه القرآني المباشر في هذه الموجة من السورة نهى رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - والمؤمنين أن يرغبوا في إتيانهم بآية - أية آية - مما يطلبون . وقيل للرسول - صلى اللّه عليه وسلم - :
« وَإِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْراضُهُمْ ، فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي السَّماءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ ، وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى ، فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ . إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ ، وَالْمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ، ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ »
. . وقيل للمؤمنين الذين رغبت نفوسهم في الاستجابة للمشركين في طلبهم آية عندما أقسموا باللّه جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها ! قيل لهم :
« قُلْ : إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ ، وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ . وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ ، وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ »
. . ليعلموا أولا أن الذي ينقص المكذبين ليس هو الآية والدليل على الحق ، ولكن الذي ينقصهم أنهم لا يسمعون ، وأنهم موتى ، وأن اللّه لم يقسم لهم الهدى - وفق سنة اللّه في الهدى والضلال كما أسلفنا - ثم ليعلموا كذلك أن هذا الدين يجري وفق سنة لا تتبدل ، وأنه أعز من أن يصبح تحت رغبات المقترحين وأهوائهم !