لهم عيونا وآذانا وأفواها . . ولكن إدراكهم معطل ، فكأنما هذه الحواس لا تستقبل ولا تنقل ! . . وإنه لكذلك فهذه الآيات تحمل في ذاتها فاعليتها وإيقاعها وتأثيرها ، لو أنها استقبلت وتلقاها الإدراك ! وما يعرض عنها معرض إلا وقد فسدت فطرته ، فلم يعد صالحا لحياة الهدى ، ولم يعد أهلا لذلك المستوي الراقي من الحياة .
ووراء ذلك كله مشيئة اللّه . . المشيئة الطليقة التي قضت أن يكون هذا الخلق المسمى بالإنسان على هذا الاستعداد المزدوج للهدى والضلال ، عن اختيار وحكمة ، لا عن اقتضاء أو إلزام . . وكذلك يضل اللّه من يشاء ويهدي من يشاء إلى صراطه المستقيم . بمشيئته تلك ، التي تعين من يجاهد ، وتضل من يعاند . ولا تظلم أحدا من العباد .
إن اتجاه الإنسان إلى طلب الهدى ، أو اتجاهه إلى الضلال ، كلاهما ينشأ من خلقته التي فطره اللّه عليها بمشيئته . فهذا الاتجاه وذاك مخلوق ابتداء بمشيئة اللّه . والنتائج التي تترتب على هذا الاتجاه وذاك من الاهتداء والضلال إنما ينشئها اللّه بمشيئته كذلك . فالمشيئة فاعلة ومطلقة . والحساب والجزاء إنما يقومان على اتجاه الإنسان . الذي يملكه ، وإن كان الاستعداد للاتجاه المزدوج هو في الأصل من مشيئة اللّه « 1 » . .
والآن بعد الانتهاء من استعراض هذه الموجة من السياق ، نقف وقفة قصيرة لاستخلاص عبرة التوجيه فيها لكافة أصحاب الدعوة إلى هذا الدين في كل جيل ، فإن مدى التوجيه فيها يتجاوز المناسبة التاريخية الخاصة ، وينسحب على جميع الأجيال ، وجميع الدعاة ، ويرسم منهجا للدعوة إلى هذا الدين ، لا يتقيد بالزمان والمكان .
ونحن لا نملك هنا أن نفصل كل جوانب هذا المنهج ، فنقف منه إذن عند معالم الطريق :
إن طريق الدعوة إلى اللّه شاق ، محفوف بالمكاره ، ومع أن نصر اللّه للحق آت لا ريب فيه ، إلا أن هذا النصر إنما يأتي في موعده الذي يقدره اللّه ، وفق علمه وحكمته ، وهو غيب لا يعلم موعده أحد - حتى ولا الرسول - والمشقة في هذا الطريق تنشأ من عاملين أساسيين : من التكذيب والإعراض اللذين تقابل بهما الدعوة في أول الأمر ، والحرب والأذى اللذين يعلنان على الدعاة . . ثم من الرغبة البشرية في نفس الداعية في هداية الناس إلى الحق الذي تذوقه ، وعرف طعمه ، والحماسة للحق والرغبة في استعلانه ! وهذه الرغبة لا تقل مشقة عن التكذيب والإعراض والحرب والأذى . فكلها من دواعي مشقة الطريق ! والتوجيه القرآني في هذه الموجة من السياق يعالج هذه المشقة من جانبيها . . ذلك حين يقرر أن الذين يكذبون بهذا الدين أو يحاربون دعوته ، يعلمون علم اليقين أن ما يدعون إليه هو الحق ، وأن الرسول الذي جاء به من عند اللّه صادق . ولكنهم مع هذا العلم لا يستجيبون ، ويستمرون في جحودهم عنادا وإصرارا ، لأن لهم هوى في الإعراض والتكذيب ! وأن هذا الحق يحمل معه دليل صدقه ، وهو يخاطب الفطرة فتستجيب له ، متى كانت هذه الفطرة حية ، وأجهزة الاستقبال فيها صالحة :
« إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ »
. . فأما الذين يجحدون فإن قلوبهم ميتة وهم موتى وهم صم وبكم في الظلمات . والرسول لا يسمع الموتى ولا يسمع الصم الدعاء . والداعية ليس عليه أن يبعث الموتى . فذلك من شأن اللّه . . هذا كله من جانب ، ومن الجانب الآخر ، فإن نصر اللّه آت لا ريب فيه . . كل ما هنالك أنه يجري وفق سنة اللّه وبقدر اللّه ، وكما أن سنة اللّه لا تستعجل ، وكلماته لا تتبدل ، من ناحية مجيء النصر في النهاية ، فكذلك هي لا تتبدل ولا تستعجل من ناحية
هامش
( 1 ) راجع فصل « التوازن » في القسم الأول من « خصائص التصور الإسلامي ومقوماته » . « دار الشروق » .