تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1083

مساهمون:

ص١٠٨٣
وهذا يقودنا إلى المجال الأشمل لهذا التوجيه القرآني . . إنه ليس خاصا بزمن ، ولا محصورا في حادث ، ولا مقيدا باقتراح معين . فالزمن يتغير ، وأهواء الناس تتمثل في اقتراحات أخرى . وأصحاب الدعوة إلى دين اللّه ينبغي ألا تستخفهم أهواء البشر . . إن الرغبة في الاستجابة لمقترحات المقترحين هي التي تقود بعض أصحاب الدعوة الإسلامية اليوم إلى محاولة بلورة العقيدة الإسلامية في صورة « نظرية مذهبية » على الورق كالذي يجدونه في النظريات المذهبية الأرضية الصغيرة ، التي يصوغها البشر لفترة من الفترات ؛ ثم يمضي الزمن فإذا كلها عورات وشطحات ومتناقضات ! . . وهي التي تقود بعض أصحاب هذه الدعوة إلى محاولة بلورة النظام الإسلامي في صورة مشروع نظام - على الورق - أو صورة تشريعات مفصلة - على الورق أيضا - تواجه ما عليه أهل الجاهلية الحاضرة من أوضاع لا علاقة لها بالإسلام ( لأن أهل هذه الجاهلية يقولون : إن الإسلام عقيدة ولا علاقة له بالنظام العام الواقعي للحياة ! ) وتنظم لهم هذه الأوضاع ؛ بينما هم باقون على جاهليتهم يتحاكمون إلى الطاغوت ، ولا يحكمون أو يتحاكمون إلى شريعة اللّه . . وكلها محاولات ذليلة ، لا يجوز للمسلم أن يحاولها استجابة لأزياء التفكير البشري المتقلبة ، التي لا تثبت على حال . باسم تطور وسائل الدعوة إلى اللّه ! « 1 » وأذل من هذه المحاولة محاولة من يضعون على الإسلام أقنعة أخرى ، ويصفونه بصفات من التي تروج عند الناس في فترة من الفترات . . كالاشتراكية . . والديمقراطية . . وما إليها . . ظانين أنهم إنما يخدمون الإسلام بهذه التقدمة الذليلة ! . . إن « الاشتراكية » مذهب اجتماعي اقتصادي من صنع البشر ؛ قابل للصواب والخطأ . وإن « الديمقراطية » نظام للحياة أو للحكم من صنع البشر كذلك ، يحمل صنع البشر من القابلية للصواب والخطأ أيضا . . والإسلام منهج حياة يشمل التصور الاعتقادي ، والنظام الاجتماعي الاقتصادي ، والنظام التنفيذي والتشكيلي . . وهو من صنع اللّه المبرأ من النقص والعيب . . فأين يقف من الإسلام من يريد أن يستشفع لمنهج اللّه - سبحانه - عند البشر بوصفه بصفة من أعمال البشر ؟ بل أين يقف من الإسلام من يريد أن يستشفع للّه - سبحانه - عند العبيد بقول من أقوال هؤلاء العبيد ؟ ! . . لقد كان كل شرك المشركين في الجاهلية العربية أنهم يستشفعون عند اللّه ببعض خلقه . . يتخذونهم أولياء :
« وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى . . . »
فهذا هو الشرك ! فما الوصف الذي يطلق إذن على الذين لا يستشفعون لأنفسهم عند اللّه بأولياء من عبيده ، ولكنهم - ويا للنكر والبشاعة ! - يستشفعون للّه - سبحانه - عند العبيد بمذهب أو منهج من مذاهب العبيد ومناهجهم ؟ ! إن الإسلام هو الإسلام . والاشتراكية هي الاشتراكية . والديمقراطية هي الديمقراطية . . ذلك منهج اللّه ولا عنوان له ولا صفة إلا العنوان الذي جعله اللّه له ، والصفة التي وصفه بها . . وهذه وتلك من مناهج البشر . ومن تجارب البشر . . وإذا اختاروها فليختاروها على هذا الأساس . . ولا ينبغي لصاحب الدعوة إلى دين اللّه ، أن يستجيب لإغراء الزي الرائج من أزياء الهوى البشري المتقلب . وهو يحسب أنه يحسن إلى دين اللّه ! على أننا نسأل هؤلاء الذين هان عليهم دينهم ، ولم يقدروا اللّه حق قدره . . إذا كنتم تقدمون الإسلام اليوم للناس باسم الاشتراكية ، وباسم الديمقراطية ، لأن هذين زيان من أزياء الاتجاهات المعاصرة . . فلقد كانت الرأسمالية في فترة من الفترات هي الزي المحبوب عند الناس وهم يخرجون بها من النظام الإقطاعي ! كما كان
هامش
( 1 ) تراجع مقدمة السورة . كما يراجع فصل « طريق الخلاص » في كتاب : « الإسلام ومشكلات الحضارة » . « دار الشروق » .