تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1071

مساهمون:

ص١٠٧١
كالبهيمة . . وهذه الرقعة الضيقة من الزمان والمكان ، التي تطلق السعار في النفس ، والتكالب على المتاع المحدود ، والعبودية لهذا المتاع الصغير ، كما تطلق الشهوات من عقالها تعربد وحدها بلا كابح ، ولا هدنة ، ولا أمل في عوض ، إن لم تقض هذه الشهوات الهابطة الصغيرة ، التي لا تكاد تبلغ نزوات البهيمة ! . . وهذه الأنظمة والأوضاع ، التي تنشأ في الأرض منظورا فيها إلى هذه الرقعة الضيقة من الزمان والمكان ؛ بلا عدل ولا رحمة ، ولا قسط ولا ميزان . . إلا أن يصارع الأفراد بعضهم بعضا ، وتصارع الطبقات بعضها بعضا ، وتصارع الأجناس بعضها بعضا . . وينطلق الكل في الغابة انطلاقا لا يرتفع كثيرا على انطلاق الوحوش والغيلان ! كما نشهد اليوم في عالم « الحضارة » . . في كل مكان . . كان اللّه - سبحانه - يعلم هذا كله ؛ ويعلم أن الأمة التي قدر أن يعطيها مهمة الإشراف على الحياة البشرية ، وقيادتها إلى القمة السامقة التي يريد أن تتجلى فيها كرامة الإنسانية في صورة واقعية . . أن هذه الأمة لا يمكن أن تؤدي واجبها هذا إلا بأن تخرج بتصوراتها وقيمها من ذلك الجحر الضيق إلى تلك الآفاق والآماد الواسعة . . من ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة . . ولهذا كان ذلك التوكيد على حقيقة الآخرة . . أولا لأنها حقيقة . واللّه يقص الحق . وثانيا لأن اليقين بها ضرورة لاستكمال إنسانية الإنسان : تصورا واعتقادا ، وخلقا وسلوكا ، وشريعة ونظاما . ومن ثم كانت هذه الإيقاعات العنيفة العميقة التي نراها في هذه الموجة من نهر السورة المتدفق . . الإيقاعات التي يعلم اللّه أن فطرة الإنسان تهتز لها وترجف ؛ فتتفتح نوافذها ، وتستيقظ أجهزة الاستقبال فيها ، وتتحرك وتحيا ، وتتأهب للتلقي والاستجابة . . ذلك كله فضلا على أنها تمثل الحقيقة :
« وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ . قالَ : أَ لَيْسَ هذا بِالْحَقِّ ؟ قالُوا : بَلى وَرَبِّنا . قالَ : فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ »
. . هذا مصير الذين قالوا : ؟
إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ »
. . وهذا هو مشهدهم البائس المخزي المهين ؛ وهم موقوفون في حضرة ربهم الذي كذبوا بلقائه ، لا يبرحون الموقف . وكأنما أخذ بأعناقهم حتى وقفوا في هذا المشهد الجليل الرهيب :
« قالَ : أَ لَيْسَ هذا بِالْحَقِّ ؟ »
. . وهو سؤال يخزي ويذيب !
« قالُوا : بَلى وَرَبِّنا »
. . الآن . وهم موقوفون على ربهم . في الموقف الذي نفوا على سبيل التوكيد أن يكون ! وفي اختصار يناسب جلال الموقف ، ورهبة المشهد ، وهول المصير ، يجيء الأمر العلوي بالقضاء الأخير :
« قالَ : فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ »
. . وهو مصير يتفق مع الخلائق التي أبت على نفسها سعة التصور الإنساني وآثرت عليه جحر التصور الحسي ! والتي أبت أن ترتفع إلى الأفق الإنساني الكريم ، وأخلدت إلى الأرض ، وأقامت حياتها وعاشت على أساس ذلك التصور الهابط الهزيل ! لقد ارتكست هذه الخلائق حتى أهلت نفسها لهذا العذاب ؛ الذي يناسب طبائع الكافرين بالآخرة ؛ الذين عاشوا ذلك المستوي الهابط من الحياة ! بذلك التصور الهابط الهزيل !