والآخرة غيب . فالإيمان بها سعة في التصور . وارتقاء في العقل . والعمل لها خير للمتقين يعرفه الذين يعقلون :
« وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَ فَلا تَعْقِلُونَ »
. .
والذين ينكرون الآخرة اليوم لأنها « غيب » إنما هم الجهال الذين يدعون العلم . . فالعلم علم الناس - ( كما سنذكر فيما بعد ) لم يعد لديه اليوم حقيقة واحدة مستيقنة له إلا حقيقة الغيب وحقيقة المجهول ! ! !
[ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 33 إلى 39 ]
قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ( 33 ) وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتاهُمْ نَصْرُنا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ ( 34 ) وَإِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْراضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي السَّماءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ ( 35 ) إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ ( 36 ) وَقالُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ( 37 )
وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ ( 38 ) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُماتِ مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ( 39 )
في هذه الموجة من موجات السياق المتدفق في السورة ، يتجه الحديث إلى رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - يطيب اللّه - سبحانه - خاطره في أوله ، مما يلاقيه من تكذيب قومه له ، وهو الصادق الأمين ، فإنهم لا يظنون به الكذب ، إنما هم مصرون على الجحود بآيات اللّه وعدم الاعتراف بها وعدم الإيمان ، لأمر آخر غير ظنهم به الكذب ! كما يواسيه بما وقع لإخوانه الرسل قبله من التكذيب والأذى ، وما وقع منهم من الصبر والاحتمال ، ثم ما انتهى إليه أمرهم من نصر اللّه لهم . وفق سنته التي لا تتبدل . . حتى إذا انتهى من المواساة والتسرية والتطمين ، التفت إلى النبي - صلى اللّه عليه وسلم - يقرر له الحقيقة الكبرى في شأن هذه الدعوة . . إنها تجري بقدر اللّه وفق سنته ، وليس للداعية فيها إلا التبليغ والبيان . . إن اللّه هو الذي يتصرف في الأمر كله ، فليس على الداعية إلا أن يمضي وفق هذا الأمر ، لا يستعجل خطوة ولا يقترح على اللّه شيئا . حتى ولو كان هو