تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1070

مساهمون:

ص١٠٧٠
والذين يفترون على عقيدة الحياة الآخرة فيقولون : إنها تدعو الناس إلى السلبية في الحياة الدنيا ؛ وإلى إهمال هذه الحياة ؛ وتركها بلا جهد لتحسينها وإصلاحها ؛ وإلى تركها للطغاة والمفسدين تطلعا إلى نعيم الآخرة . . الذين يفترون هذا الافتراء على عقيدة الآخرة يضيفون إلى الافتراء الجهالة ! فهم يخلطون بين عقيدة الآخرة - كما هي في التصورات الكنسية المنحرفة - وعقيدة الآخرة كما هي في دين اللّه القويم . . فالدنيا - في التصور الإسلامي - هي مزرعة الآخرة . والجهاد في الحياة الدنيا لإصلاح هذه الحياة ، ورفع الشر والفساد عنها ، ورد الاعتداء عن سلطان اللّه فيها ، ودفع الطواغيت وتحقيق العدل والخير للناس جميعا . . كل أولئك هو زاد الآخرة ؛ وهو الذي يفتح للمجاهدين أبواب الجنة ، ويعوضهم عما فقدوا في صراع الباطل ، وما أصابهم من الأذى . . فكيف يتفق لعقيدة هذه تصوراتها أن يدع أهلها الحياة الدنيا تركد وتأسن ، أو تفسد وتختل ، أو يشيع فيها الظلم والطغيان ، أو تتخلف في الصلاح والعمران . . وهم يرجون الآخرة ، وينتظرون فيها الجزاء من اللّه ؟ إن الناس إذا كانوا في فترات من الزمان يعيشون سلبيين ؛ ويدعون الفساد والشر والظلم والطغيان والتخلف والجهالة تغمر حياتهم الدنيا - مع ادعائهم الإسلام - فإنما هم يصنعون ذلك كله أو بعضه لأن تصورهم للإسلام قد فسد وانحرف ؛ ولأن يقينهم في الآخرة قد تزعزع وضعف ! لا لأنهم يدينون بحقيقة هذا الدين ؛ ويستيقنون من لقاء اللّه في الآخرة . فما يستيقن أحد من لقاء اللّه في الآخرة ، وهو يعي حقيقة هذا الدين ، ثم يعيش في هذه الحياة سلبيا ، أو متخلفا ، أو راضيا بالشر والفساد والطغيان . إنما يزاول المسلم هذه الحياة الدنيا ، وهو يشعر أنه أكبر منها وأعلى . ويستمتع بطيباتها أو يزهد فيها وهو يعلم أنها حلال في الدنيا خالصة له يوم القيامة . ويجاهد لترقية هذه الحياة وتسخير طاقاتها وقواها وهو يعرف أن هذا واجب الخلافة عن اللّه فيها . ويكافح الشر والفساد والظلم محتملا الأذى والتضحية حتى الشهادة وهو إنما يقدم لنفسه في الآخرة . . إنه يعلم من دينه أن الدنيا مزرعة الآخرة ؛ وأن ليس هنالك طريق للآخرة لا يمر بالدنيا ؛ وأن الدنيا صغيرة زهيدة ولكنها من نعمة اللّه التي يجتاز منها إلى نعمة اللّه الكبرى . . وكل جزئية في النظام الإسلامي منظور فيها إلى حقيقة الحياة الآخرة ؛ وما تنشئه في التصور من سعة وجمال وارتفاع ؛ وما تنشئه في الخلق من رفعة وتطهر وسماحة ومن تشدد في الحق وتحرج وتقوى ؛ وما تنشئه في النشاط الإنساني من تسديد وثقة وتصميم . من أجل ذلك كله لا تستقيم الحياة الإسلامية بدون يقين في الآخرة . ومن أجل ذلك كله كان هذا التوكيد في القرآن الكريم على حقيقة الآخرة . . وكان العرب في جاهليتهم - وبسبب من هذه الجاهلية - لا تتسع آفاقهم التصورية والشعورية والفكرية للاعتقاد في حياة أخرى غير هذه الحياة الدنيا ؛ ولا في عالم آخر غير هذا العالم الحاضر : ولا في امتداد الذات الإنسانية إلى آماد وآفاق وأعماق غير هذه الآماد المحسوسة . . مشاعر وتصورات أشبه شيء بمشاعر الحيوان وتصوراته . . شأنهم في هذا شأن الجاهلية الحاضرة . . « العلمية » كما يصر أهلها على تسميتها !
« وَقالُوا : إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ »
. . وكان اللّه - سبحانه - يعلم أن الاعتقاد على هذا النحو يستحيل أن تنشأ في ظله حياة إنسانية رفيعة كريمة . . هذه الآفاق الضيقة في الشعور والتصور ، التي تلصق الإنسان بالأرض ، وتلصق تصوره بالمحسوس منها