تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1068

مساهمون:

ص١٠٦٨
« يا لَيْتَنا نُرَدُّ ، وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا ، وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ »
. . فهم يعلمون الآن أنها كانت « آيات ربنا » ! وهم يتمنون لو يردون إلى الدنيا . وعندئذ فلن يكون منهم تكذيب بهذه الآيات ، وعندئذ سيكونون من المؤمنين ! ولكنها ليست سوى الأماني التي لا تكون ! على أنهم إنما يجهلون جبلتهم . فهي جبلة لا تؤمن . وقولهم هذا عن أنفسهم : إنهم لو ردوا لما كذبوا ولكانوا مؤمنين ، إنما هو كذب لا يطابق حقيقة ما يكون منهم لو كان لإجابتهم من سبيل ! وإنهم ما يقولون قولتهم هذه ، إلا لأنه تكشف لهم من سوء عملهم وسوء مغبتهم ما كانوا من قبل يخفونه على أتباعهم ليوهموهم أنهم محقون ، وأنهم ناجون ، وأنهم مفلحون .
« بَلْ بَدا لَهُمْ ما كانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ . وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ . وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ »
. . إن اللّه يعلم طبيعتهم ؛ ويعلم إصرارهم على باطلهم ؛ ويعلم أن رجفة الموقف الرعيب على النار هي التي أنطقت ألسنتهم بهذه الأماني وهذه الوعود . .
« وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ »
. . ويدعهم السياق في هذا المشهد البائس ، وهذا الرد يصفع وجوههم بالمهانة والتكذيب ! يدعهم ليفتح صفحتين جديدتين متقابلتين كذلك ؛ ويرسم لهما مشهدين متقابلين : أحدهما في الدنيا وهم يجزمون بأن لا بعث ولا نشور ، ولا حساب ولا جزاء . وثانيهما في الآخرة وهم موقوفون على ربهم يسألهم عما هم فيه :
« أَ لَيْسَ هذا بِالْحَقِّ ؟ »
. . السؤال الذي يزلزل ويذيب . . فيجيبون إجابة المهين الذليل :
« بَلى ! وَرَبِّنا »
. . فيجبهون عندئذ بالجزاء الأليم بما كانوا يكفرون . . ثم يمضي السياق يرسم مشهدهم والساعة تأخذهم بغتة ، بعد ما كذبوا بلقاء اللّه ، فتنتابهم الحسرة ؛ وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم ! وفي النهاية يقرر حقيقة وزن الدنيا والآخرة في ميزان اللّه الصحيح :
« وَقالُوا : إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا ، وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ . وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ قالَ : أَ لَيْسَ هذا بِالْحَقِّ ؟ قالُوا : بَلى وَرَبِّنا . قالَ : فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ . . قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذا جاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قالُوا : يا حَسْرَتَنا عَلى ما فَرَّطْنا فِيها ، وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ عَلى ظُهُورِهِمْ أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ . وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ ، وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ . أَ فَلا تَعْقِلُونَ ؟ »
وقضية البعث والحساب والجزاء في الدار الآخرة من قضايا العقيدة الأساسية ، التي جاء بها الإسلام ؛ والتي يقوم عليها بناء هذه العقيدة بعد قضية وحدانية الألوهية . والتي لا يقوم هذا الدين - عقيدة وتصورا ، وخلقا وسلوكا ، وشريعة ونظاما - إلا عليها . . وبها . . إن هذا الدين الذي أكمله اللّه ، وأتم به نعمته على المؤمنين به ، ورضيه لهم دينا - كما قال لهم في كتابه الكريم - هو منهج للحياة كامل في حقيقته ، متكامل متناسق في تكوينه . . « يتكامل » ويتناسق فيه تصوره الاعتقادي مع قيمه الخلقية ، مع شرائعه التنظيمية . . وتقوم كلها على قاعدة واحدة من حقيقة الألوهية فيه وحقيقة الحياة الآخرة . فالحياة - في التصور الإسلامي - ليست هي هذه الفترة القصيرة التي تمثل عمر الفرد ؛ وليست هي هذه الفترة المحدودة التي تمثل عمر الأمة من الناس ؛ كما أنها ليست هي هذه الفترة المشهودة التي تمثل عمر البشرية في هذه الحياة الدنيا .