تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1060

مساهمون:

ص١٠٦٠
هذه الجولة - أو هذه الموجة - عودة إلى مواجهة المشركين المكذبين بالقرآن الكريم ، المكذبين بالبعث والآخرة . . ولكنها لا تواجههم بتصوير تعنتهم وعنادهم ؛ ولا تواجههم بمصارع الغابرين من المكذبين من أسلافهم - كما سبق في سياق السورة - إنما تواجههم بمصيرهم في يوم البعث الذي يكذبون به ؛ وبجزائهم في الآخرة التي ينكرونها . . تواجههم بهذا الجزاء وبذلك المصير في مشاهد حية شاخصة . . تواجههم به وهم محشورون جميعا ، مسؤولون سؤال التبكيت والتأنيب ، وسؤال التشهير والتعجيب :
« أَيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ؟ »
وهم في رعب وفزع ، وفي تضعضع وذهول يقسمون باللّه ويعترفون له وحده بالربوبية :
« وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ »
! . . وتواجههم به وهم موقوفون على النار ، محبوسون عليها ، وهم في رعب وفزع ، وفي ندم وحسرة يقولون :
« يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ »
! . . وتواجههم به وهم موقوفون على ربهم ، وهم يتذاوبون من الخجل والندم ، ومن الروع والهول ؛ وهو - جل جلاله - يسألهم سبحانه :
« أَ لَيْسَ هذا بِالْحَقِّ ؟ »
فيجيبون في استخذاء وتذاؤب : « بلى وربنا » . فلا يجديهم هذا الاعتراف شيئا :
« قالَ : فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ »
. . ويواجهون به وهم قد خسروا أنفسهم وخسروا كل شيء إذن ؛ وجاءوا يحملون أوزارهم على ظهورهم ؛ وهم يجأرون بالحسرة على تفريطهم في الآخرة ، وأخذهم للصفقة الخاسرة ! مشهد وراء مشهد ، وكل مشهد يزلزل القلوب ، ويخلخل المفاصل ، ويهز الكيان ، ويفتح العين والقلب - عند من يشاء اللّه أن يفتح عينه وقلبه - على الحق الذي يواجههم به رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم - والكتاب الذي يكذبون به ؛ بينما الذين أوتوا الكتاب من قبلهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم !
« الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمُ ، الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ »
. . لقد تكرر في القرآن الكريم ذكر معرفة أهل الكتاب - وهم اليهود والنصارى - لهذا القرآن ؛ أو لصحة رسالة محمد - صلى اللّه عليه وسلم - وتنزيل هذا القرآن عليه من عند اللّه . . تكرر ذكر هذه الحقيقة سواء في مواجهة أهل الكتاب أنفسهم ، عندما كانوا يقفون من النبي - صلى اللّه عليه وسلم - ومن هذا الدين وقفة المعارضة والإنكار والحرب والعداء ( وكان هذا غالبا في المدينة ) أو في مواجهة المشركين من العرب ؛ لتعريفهم أن أهل الكتاب ، الذين يعرفون طبيعة الوحي والكتب السماوية ، يعرفون هذا القرآن ، ويعرفون صدق رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - في أنه وحي أوحى به ربه إليه كما أوحى إلى الرسل من قبله . وهذه الآية - كما رجحنا - مكية . وذكر أهل الكتاب فيها على هذا النحو - إذن - يفيد أنها كانت مواجهة للمشركين بأن هذا القرآن الذي ينكرونه ، يعرفه أهل الكتاب كما يعرفون أبناءهم ؛ وإذا كانت كثرتهم لم تؤمن به فذلك لأنهم خسروا أنفسهم ، فهم لا يؤمنون . شأنهم في هذا شأن المشركين ، الذين خسروا أنفسهم ، فلم يدخلوا في هذا الدين ! والسياق قبل هذه الآية وبعدها كله عن المشركين . مما يرجح مكيتها كما قلنا من قبل في التعريف بالسورة . . وقد جرى المفسرون على تفسير مثل هذا التقرير :
« الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمُ »
. . على أنهم يعرفون أنه منزل من عند اللّه حقا ؛ أو على أن النبي - صلى اللّه عليه وسلم - رسول من عند اللّه حقا ، يوحى إليه بهذا القرآن . . وهذا جانب من مدلول النص فعلا ، ولكنا نلمح - باستصحاب الواقع التاريخي وموقف أهل الكتاب من هذا