« قُلْ : أَ غَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ، وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ ؟ قُلْ : إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ ، وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ »
. .
ذلك لتعلم أن اتخاذ غير اللّه وليا - بكل معاني « الولي » . . وهي الخضوع والطاعة ، والاستنصار والاستعانة . .
يتعارض مع الإسلام ، لأنه هو الشرك الذي جاء الإسلام ليخرج منه الناس . . ولتعلم أن أول ما يتمثل فيه الولاء لغير اللّه هو تقبل حاكمية غير اللّه في الضمير أو في الحياة . . الأمر الذي تزاوله البشرية كلها بدون استثناء . ولتعلم أنها تستهدف اليوم إخراج الناس جميعا من عبادة العباد إلى عبادة اللّه وحده ؛ وأنها تواجه جاهلية كالتي واجهها رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - والجماعة المسلمة حين تلقي هذه الآيات . .
وما أحوجها أن تستصحب في مواجهتها للجاهلية تلك الحقائق والمشاعر التي تسكبها في القلب المؤمن الآيات التالية :
« قُلْ : إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ . مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ ، وَذلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ . وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ ، وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ . وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ »
. .
فما أحوج من يواجه الجاهلية بطاغوتها وجبروتها ، وبإعراضها وعنادها ، وبالتوائها وكيدها ، وبفسادها وانحلالها . . ما أحوج من يواجه هذا الشر كله ، أن يستصحب في قلبه هذه الحقائق وهذه المشاعر . . مخافة المعصية والولاء لغير اللّه . ومخافة العذاب الرعيب الذي يترقب العصاة . . واليقين بأن الضار والنافع هو اللّه .
وأن اللّه هو القاهر فوق عباده فلا معقب على حكمه ولا راد لما قضاه . إن قلبا لا يستصحب هذه الحقائق وهذه المشاعر لن يقوى على تكاليف « إنشاء » الإسلام من جديد في وجه الجاهلية الطاغية . . وهي تكاليف هائلة تنوء بها الجبال ! ثم ما أحوج العصبة المؤمنة - بعد أن تستيقن حقيقة مهمتها في الأرض اليوم ؛ وبعد أن تستوضح حقيقة العقيدة التي تدعو إليها ومقتضياتها من إفراد اللّه سبحانه بالولاء بكل مدلولاته ؛ وبعد أن تستصحب معها في مهمتها الشاقة تلك الحقائق والمشاعر . . ما أحوجها بعد ذلك كله إلى موقف الإشهاد والقطع والمفاصلة والتبرؤ من الشرك الذي تزاوله الجاهلية البشرية اليوم كما كانت تزاوله جاهلية البشرية الأولى . وأن تقول ما أمر رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - أن يقوله ؛ وأن تقذف في وجه الجاهلية ، بما قذف به في وجهها الرسول الكريم ، تنفيذا لأمر ربه العظيم :
« قُلْ : أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً ؟ قُلِ : اللَّهُ ، شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ ، وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ . أَ إِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرى ؟ قُلْ : لا أَشْهَدُ . قُلْ : إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ ، وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ »
. .
إنه لا بد أن تقف العصبة المسلمة في الأرض ، من الجاهلية التي تغمر الأرض ، هذا الموقف . لا بد أن تقذف في وجهها بكلمة الحق هذه عالية مدوية ، قاطعة فاصلة ، مزلزلة رهيبة . . ثم تتجه إلى اللّه تعلم أنه على كل شيء قدير ، وأنه هو القاهر فوق عباده . وأن هؤلاء العباد - بما فيهم الطواغيت المتجبرون - أضعف من الذباب ، وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ! وأنهم ليسوا بضارين من أحد إلا بإذن اللّه ؛ وليسوا بنافعين أحدا إلا بإذن اللّه ، وأن اللّه غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون .
ولا بد أن تستيقن العصبة المسلمة كذلك أنها لن تنصر ولن يتحقق لها وعد اللّه بالتمكين في الأرض ، قبل أن تفاصل الجاهلية على الحق عند مفترق الطريق . وقبل أن تعلن كلمة الحق في وجه الطاغوت ، وقبل أن