الدين فيه - أن هناك جانبا آخر من مدلول النص ؛ لعل اللّه - سبحانه - أراد أن يعلمه للجماعة المسلمة ، ليستقر في وعيها على مدار التاريخ ، وهي تواجه أهل الكتاب بهذا الدين . .
إن أهل الكتاب يعرفون أن هذا الكتاب حق من عند اللّه ؛ ويعرفون - من ثم - ما فيه من سلطان وقوة ؛ ومن خير وصلاح ؛ ومن طاقة دافعة للأمة التي تدين بالعقيدة التي جاء بها ؛ وبالأخلاق التي تنبثق منها ؛ وبالنظام الذي يقوم عليها . ويحسبون كل حساب لهذا الكتاب وأهله ؛ ويعلمون جيدا أن الأرض لا تسعهم وتسع أهل الدين ! . . إنهم يعرفون ما فيه من حق ، ويعرفون ما هم فيه من باطل . . ويعرفون أن الجاهلية التي صاروا إليها ، وصارت إليها أوضاع قومهم وأخلاقهم وأنظمتهم ، لا يمكن أن يهادنها هذا الدين ، أو يبقي عليها . . وأنها - من ثم - معركة لا تهدأ حتى تجلو الجاهلية عن هذه الأرض ، ويستعلي هذا الدين ، ويكون الدين كله للّه . .
أي أن يكون السلطان في الأرض كله للّه ؛ وأن يطارد المعتدون على سلطان اللّه في الأرض كلها . وبذلك وحده يكون الدين كله للّه . .
إن أهل الكتاب يعلمون جيدا هذه الحقيقة في هذا الدين . . ويعرفونه بها كما يعرفون أبناءهم . . وهم جيلا بعد جيل يدرسون هذا الدين دراسة دقيقة عميقة ؛ وينقبون عن أسرار قوته ؛ وعن مداخله إلى النفوس ومساربه فيها ؛ ويبحثون بجد : كيف يستطيعون أن يفسدوا القوة الموجهة في هذا الدين ؟ كيف يلقون بالريب والشكوك في قلوب أهله ؟ كيف يحرفون الكلم فيه عن مواضعه ؟ كيف يصدون أهله عن العلم الحقيقي به ؟ كيف يحولونه من حركة دافعة تحطم الباطل والجاهلية وتسترد سلطان اللّه في الأرض وتطارد المعتدين على هذا السلطان ، وتجعل الدين كله للّه . . إلى حركة ثقافية باردة ، وإلى بحوث نظرية ميتة ، وإلى جدل لاهوتي أو فقهي أو طائفي فارغ ؟ كيف يفرغون مفهوماته في أوضاع وأنظمة وتصورات غريبة عنه مدمرة له ، مع إيهام أهله أن عقيدتهم محترمة مصونة ؟ ! كيف في النهاية يملئون فراغ العقيدة بتصورات أخرى ومفهومات أخرى واهتمامات أخرى ، ليجهزوا على الجذور العاطفية الباقية من العقيدة الباهتة ؟ ! إن أهل الكتاب يدرسون هذا الدين دراسة جادة عميقة فاحصة ؛ لا لأنهم يبحثون عن الحقيقة - كما يتوهم السذج من أهل هذا الدين ! - ولا لينصفوا هذا الدين وأصله - كما يتصور بعض المخدوعين حينما يرون اعترافا من باحث أو مستشرق بجانب طيب في هذا الدين ! - كلا ! إنما هم يقومون بهذه الدراسة الجادة العميقة الفاحصة ، لأنهم يبحثون عن مقتل لهذا الدين ! لأنهم يبحثون عن منافذه ومساربه إلى الفطرة ليسدوها أو يميعوها ! لأنهم يبحثون عن أسرار قوته ليقاوموه منها ! لأنهم يريدون أن يعرفوا كيف يبني نفسه في النفوس ليبنوا على غراره التصورات المضادة التي يريدون ملء فراغ الناس بها ! وهم من أجل هذه الأهداف والملابسات كلها يعرفونه كما يعرفون أبناءهم ! ومن واجبنا نحن أن نعرف ذلك . . وأن نعرف معه أننا نحن الأولى بأن نعرف ديننا كما نعرف أبناءنا ! إن الواقع التاريخي من خلال أربعة عشر قرنا ينطق بحقيقة واحدة . . هي هذه الحقيقة التي يقررها القرآن الكريم في هذه الآية :
« الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمُ »
. . ولكن هذه الحقيقة تتضح في هذه الفترة وتتجلى بصورة خاصة . . إن البحوث التي تكتب عن الإسلام في هذه الفترة تصدر بمعدل كتاب كل أسبوع ؛ بلغة من اللغات الأجنبية . . وتنطق هذه البحوث بمدى معرفة أهل الكتاب بكل صغيرة وكبيرة عن طبيعة هذا الدين وتاريخه ، ومصادر قوته ، ووسائل مقاومته ، وطرق إفساد توجيهه ! ومعظمهم - بطبيعة الحال - لا يفصح عن نيته هذه ؛ فهم يعلمون أن الهجوم الصريح على هذا الدين كان يثير حماسة الدفاع