تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1057

مساهمون:

ص١٠٥٧
وأنه يفاصلهم على هذا عند مفرق الطريق ؛ وأنه يتبرأ من شركهم في صيغة التشديد والتوكيد :
« أَ إِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرى ؟ قُلْ : لا أَشْهَدُ ، قُلْ : إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ ، وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ »
. . والنصوص القرآنية بمقاطعها هذه ، وبإيقاعاتها هذه ، تهز القلوب بما لا يملك البيان البشري أن يفعل . فلا أريد أن أوقف تدفقها وانسكابها في القلب بأي تعليق . ولكني أريد أن أتحدث عن القضية التي تضمنها هذا المقطع ، وجرت بها هذه الموجة . . إن هذه القضية التي عرضها السياق القرآني في هذه الآيات . . قضية الولاء والتوحيد والمفاصلة . . هي قضية هذه العقيدة ؛ وهي الحقيقة الكبرى فيها . وإن العصبة المؤمنة اليوم لخليقة بأن تقف أمام هذا الدرس الرباني فيها وقفة طويلة . . إن هذه العصبة تواجه اليوم من الجاهلية الشاملة في الأرض ، نفس ما كانت تواجهه العصبة التي تنزلت عليها هذه الآيات ، لتحدد على ضوئها موقفها ، ولتسير على هذا الضوء في طريقها ؛ وتحتاج - من ثم - أن تقف وقفة طويلة أمام هذه الآيات ، لترسم طريقها على هداها . لقد استدار الزمان كهيئته يوم جاء هذا الدين إلى البشرية ؛ وعادت البشرية إلى مثل الموقف الذي كانت فيه يوم تنزل هذا القرآن على رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - ويوم جاءها الإسلام مبنيا على قاعدته الكبرى : « شهادة أن لا إله إلا اللّه » . . شهادة أن لا إله إلا اللّه بمعناها الذي عبر عنه ربعي بن عامر رسول قائد المسلمين إلى رستم قائد الفرس ، وهو يسأله : « ما الذي جاء بكم ؟ » فيقول : « اللّه ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة اللّه وحده ، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة ، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام » . . وهو يعلم أن رستم وقومه لا يعبدون كسرى بوصفه إلها خالقا للكون ؛ ولا يقدمون له شعائر العبادة المعروفة ؛ ولكنهم إنما يتلقون منه الشرائع ، فيعبدونه بهذا المعنى الذي يناقض الإسلام وينفيه ؛ فأخبره أن اللّه ابتعثهم ليخرجوا الناس من الأنظمة والأوضاع التي يعبد العباد فيها العباد ، ويقرون لهم بخصائص الألوهية - وهي الحاكمية والتشريع والخضوع لهذه الحاكمية والطاعة لهذا التشريع - ( وهي الأديان ) . . إلى عبادة اللّه وحده وإلى عدل الإسلام . لقد استدار الزمان كهيئته يوم جاء هذا الدين إلى البشرية بلا إله إلا اللّه . فقد ارتدت البشرية إلى عبادة العباد ، وإلى جور الأديان ؛ ونكصت عن لا إله إلا اللّه ، وإن ظل فريق منها يردد على المآذن : « لا إله إلا اللّه » ؛ دون أن يدرك مدلولها ، ودون أن يعني هذا المدلول وهو يرددها ، ودون أن يرفض شرعية « الحاكمية » التي يدعيها العباد لأنفسهم - وهي مرادف الألوهية - سواء ادعوها كأفراد ، أو كتشكيلات تشريعية ، أو كشعوب . فالأفراد ، كالتشكيلات ، كالشعوب ، ليست آلهة ، فليس لها إذن حق الحاكمية . . إلا أن البشرية عادت إلى الجاهلية ، وارتدت عن لا إله إلا اللّه . فأعطت لهؤلاء العباد خصائص الألوهية . ولم تعد توحد اللّه ، وتخلص له الولاء . . البشرية بجملتها ، بما فيها أولئك الذين يرددون على المآذن في مشارق الأرض ومغاربها كلمات : « لا إله إلا اللّه » بلا مدلول ولا واقع . . وهؤلاء أثقل إثما وأشد عذابا يوم القيامة ، لأنهم ارتدوا إلى عبادة العباد - من بعد ما تبين لهم الهدى - ومن بعد أن كانوا في دين اللّه ! فما أحوج العصبة المسلمة اليوم أن تقف طويلا أمام هذه الآيات البينات ! ما أحوجها أن تقف أمام آية الولاء :
في ظلال القرآن — صفحة 1057 | سيد قطب