هذه الموجة الجديدة ذات المد العالي والإيقاع الرهيب ، تجيء في أعقاب الحديث عن التكذيب والإعراض والسخرية والاستهزاء ؛ وما ختم به هذا الحديث وما تخلله من التهديد المخيف ؛ مع توجيه الأنظار والقلوب إلى الاعتبار بمصارع المكذبين المستهزئين . . كما أنها تجيء بعد موجة الافتتاح السابقة للحديث عن المكذبين ؛ والتي عرضت حقيقة الألوهية في المجال الكوني العريض ؛ وفي المجال الإنساني العميق . وهي كذلك تعرض حقيقة الألوهية في مجالات أخرى ، بإيقاعات جديدة ؛ ومع مؤثرات كذلك جديدة . . فيقع الحديث عن التكذيب بين موجة الافتتاح وهذه الموجة ؛ ويبدو أمره في غاية النكارة وفي غاية البشاعة ! ولقد عرضت الموجة الأولى حقيقة الألوهية ممثلة في خلق السماوات والأرض ، وجعل الظلمات والنور ، وخلق الإنسان من طين ، وقضاء الأجل الأول لعمره ، وتسمية الأجل الثاني لبعثه . مقررة شمول ألوهية اللّه للسماوات وللأرض ، وإحاطة علمه بسر الناس وجهرهم وما يكسبونه في السر والجهر . . كل أولئك لا لمجرد التقرير اللاهوتي أو الفلسفي النظري السلبي . ولكن لتقرير مقتضيات هذه الحقائق في الحياة الإنسانية . من إسلامها بجملتها للّه وحده ، لا تعدل به أحدا ، ولا تمتري في هذه الوحدانية . ومن إقرارها بشمول الألوهية لشؤون الكون ولشؤون الحياة الإنسانية في السر والجهر . ومن ترتيب النتائج الطبيعية لهذه الحقائق في الاستسلام لحاكمية اللّه وحده في شؤون الحياة الأرضية كالاستسلام لهذه الحاكمية في الشؤون الكونية . .
فأما هذه الموجة الجديدة فتستهدف كذلك إبراز حقيقة الألوهية ، ممثلة في الملك والفاعلية ، وفي الرزق والكفالة ؛ وفي القدرة والقهر ؛ وفي النفع والضر . . كل ذلك لا لمجرد التقرير اللاهوتي أو الفلسفي النظري السلبي . . ولكن لتقرير مقتضيات هذه الحقائق من توحيد الولاية والتوجه ؛ وتوحيد الاستسلام والعبودية . .
واعتبار الولاية والتوجه مظهر الاستسلام والعبودية . فإذا أمر رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - أن يستنكر أن يتخذ غير اللّه وليا ؛ بين أن هذا الاستنكار قائم أولا على أن اللّه يطعم ولا يطعم ؛ وقائم ثانيا على أن تولي غير اللّه نقض لما أمر به من الإسلام وعدم الشرك أيضا . .
ويصاحب عرض حقيقة الألوهية ، في هذه الصورة ولهذا الغرض ، جملة مؤثرات قوية تخلخل القلوب .
تبدأ بعرض حقيقة الملكية لكل شيء . وحقيقة أن اللّه هو الذي يطعم ولا يطعم . وعرض العذاب الرعيب الذي يعد مجرد صرفه رحمة من اللّه وفوزا عظيما . وعرض القدرة على الضر والخير . وعرض الاستعلاء والقهر .
في ظلال القرآن — صفحة 1047
مساهمون: سيد قطب
ص١٠٤٧