لا يملكون دليلا واحدا على نفي وجودها ؟
إننا لا نحاكمهم إلى عقيدتنا ، ولا إلى قول اللّه سبحانه ! إنما نحاكمهم إلى « علمهم » الذي يتخذونه إلها . .
فلا نجد إلا أن المكابرة وحدها - من غير أي دليل من هذا العلم - هي التي تقودهم إلى هذا الإنكار « غير العلمي » ! ألمجرد أن هذه العوالم غيب ؟ لقد نرى حين نناقش هذه القضية أن الغيب الذي ينكرونه هو الحقيقة الوحيدة التي يجزم هذا « العلم » اليوم بوجودها ؛ حتى في عالم الشهادة الذي تلمسه الأيدي وتراه العيون .
وتنتهي هذه الموجة بعرض ما وقع للمستهزئين بالرسل . ودعوة المكذبين إلى تدبر مصارع أسلافهم ، والسير في الأرض لرؤية هذه المصارع ؛ الناطقة بسنة اللّه في المستهزئين المكذبين :
« وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ ، فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ . قُلْ : سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ، ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ »
. .
إن هذه اللفتة - بعد ذكر إعراضهم عنادا وتعنتا ؛ وبعد بيان ما في اقتراحاتهم من عنت وجهالة ؛ وما في عدم الاستجابة لهذه المقترحات من رحمة من اللّه وحلم - لترمي إلى غرضين ظاهرين :
الأول : تسلية رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - والتسرية عنه ، مما يلقاه من عناد المعرضين ، وعنت المكذبين ؛ وتطمين قلبه - صلى اللّه عليه وسلم - إلى سنة اللّه سبحانه في أخذ المكذبين المستهزئين بالرسل ؛ وتأسيته كذلك بأن هذا الإعراض والتكذيب ليس بدعا في تاريخ الدعوة إلى الحق . فقد لقي مثله الرسل قبله ؛ وقد لقي المستهزءون جزاءهم الحق وحاق بهم ما كانوا يستهزءون به من العذاب ، ومن غلبة الحق على الباطل في نهاية المطاف . .
والثاني : لمس قلوب المكذبين المستهزئين من العرب بمصارع أسلافهم من المكذبين المستهزئين : وتذكيرهم بهذه المصارع التي تنتظرهم إن هم لجوا في الاستهزاء والسخرية والتكذيب . وقد أخذ اللّه - من قبلهم - قرونا كانت أشد منهم قوة وتمكينا في الأرض ؛ وأكثر منهم ثراء ورخاء ، كما قال لهم في مطلع هذه الموجة ؛ التي ترج القلوب رجا بهذه اللفتات الواقعية المخيفة .
ومما يستدعي الانتباه ذلك التوجيه القرآني :
« قُلْ : سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ، ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ »
. .
والسير في الأرض للاستطلاع والتدبر والاعتبار ؛ ولمعرفة سنن اللّه مرتسمة في الأحداث ، والوقائع ؛ مسجلة في الآثار الشاخصة ، وفي التاريخ المروي في الأحاديث المتداولة حول هذه الآثار في أرضها وقومها . .
السير على هذا النحو ، لمثل هذا الهدف ، وبمثل هذا الوعي . . أمور كلها كانت جديدة على العرب ؛ تصور مدى النقلة التي كان المنهج الإسلامي الرباني ينقلهم إليها من جاهليتهم إلى هذا المستوي من الوعي والفكر والنظر والمعرفة .
لقد كانوا يسيرون في الأرض ، ويتنقلون في أرجائها للتجارة والعيش ، وما يتعلق بالعيش من صيد ورعي . .
أما أن يسيروا وفق منهج معرفي تربوي . . فهذا كان جديدا عليهم . وكان هذا المنهج الجديد يأخذهم به ؛ وهو يأخذ بأيديهم من سفح الجاهلية ، في الطريق الصاعد ، إلى القمة السامقة التي بلغوا إليها في النهاية .
ولقد كان تفسير التاريخ الإنساني وفق قواعد منهجية كهذه التي كان القرآن يوجه إليها العرب ؛ ووفق سنن