وهم كذلك يبشرون المؤمنين بالجنة عند قبض أرواحهم ، ويستقبلونهم بالبشرى في الآخرة ويسلمون عليهم في الجنة :
« الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ ، يَقُولُونَ : سَلامٌ عَلَيْكُمْ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ »
. .
« . . جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ ، وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ ، سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ ، فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ »
. .
وهم يستقبلون الكافرين في جهنم بالتأنيب والوعيد - كما سبق - ويقاتلونهم في معارك الحق كذلك . وكذلك هم يستلون أرواحهم في تعذيب وتأنيب ومهانة :
« وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَراتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِمْ : أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ ، الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ بِما كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آياتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ »
. .
« فَكَيْفَ إِذا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ ! »
. .
ولقد كان لهم شأن مع البشر منذ نشأة أبيهم آدم ، كما أن هذه الصلة امتدت في طول الحياة وعرضها حتى مجال الحياة الباقية على النحو الذي أشرنا إليه في المقتطفات القرآنية السابقة . وشأن الملائكة مع النشأة الإنسانية يرد في مواضع شتى ، كالذي جاء في سورة البقرة :
« وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً . قالُوا : أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ ، وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ؟ قالَ : إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ . وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ ، فَقالَ : أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ . قالُوا : سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ . قالَ : يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ ، فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ قالَ : أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ : إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ، وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ : اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبى وَاسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ . . »
. .
فهذا المجال الفسيح الذي تتصل فيه حياة البشر بهذا الملأ الأعلى ، هو فسحة في التصور ، وفسحة في إدراك حقائق هذا الوجود ، وفسحة في الشعور ، وفسحة في الحركة النفسية والفكرية ، يتيحها التصور الإسلامي للمسلم ؛ والقرآن يعرض عليه هذا المجال الفسيح ، وعالم الغيب المتصل بما هو فيه من عالم الشهود .
والذين يريدون أن يغلقوا على « الإنسان » هذا المجال . . ومجال عالم الغيب كله . . إنما يريدون به أقبح الشر . . يريدون أن يغلقوا عالمه على مدى الحس القريب المحدود ؛ ويريدون بذلك أن يزجوا به في عالم البهائم ؛ وقد كرمه اللّه بقوة التصور ؛ التي يملك بها أن يدرك ما لا تدركه البهائم ؛ وأن يعيش في بحبوحة من المعرفة ، وبحبوحة من الشعور ! وأن ينطلق بعقله وقلبه إلى مثل هذا العالم ؛ وأن يتطهر وهو يرف بكيانه كله في مثل هذا النور ! والعرب في جاهليتهم - على كل ما في هذه الجاهلية من خطأ في التصور - كانوا ( من هذا الجانب ) أرقى من أهل الجاهلية ( العلمية ! ) الحديثة ؛ الذين يسخرون من الغيب كله ! ويعدون الإيمان بمثل هذه العوالم الغيبية سذاجة غير علمية ! ويضعون « الغيبية » في كفة ، و « العلمية » في الكفة الأخرى ! وسنناقش عند مواجهة قوله تعالى :
« وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ »
هذه الدعوى التي لا سند لها من العلم ، كما أنه لا سند لها من الدين . أما هنا فنكتفي بكلمة مختصرة عن شأن الملائكة .
ونسأل : ما ذا عند أدعياء العقلية « العلمية » ، من علمهم ذاته ، يحتم عليهم نفي هذا الخلق المسمى بالملائكة ، وإبعاده عن دائرة التصور والتصديق ؟ ما ذا لديهم من علم يوجب عليهم ذلك ؟
إن علمهم لا يملك أن ينفي وجود حياة من نوع آخر غير الحياة المعروفة في الأرض في أجرام أخرى ، يختلف تركيب جوها وتختلف طبيعتها وظروفها عن جو الأرض وظروفها . . فلما ذا يجزمون بنفي هذه العوالم ، وهم