تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1048

مساهمون:

ص١٠٤٨
وعرض الحكمة والخبرة . . ثم الإيقاع الرهيب المزلزل ، المتمثل في الأمر العلوي الهائل : قل . قل . قل : فإذا تم هذا العرض بكل مؤثراته العميقة ، جاء الختام بالإيقاع العالي المجلجل . . إيقاع الإشهاد على التوحيد ، وإنكار الشرك ، والمفاصلة الحاسمة ؛ مصحوبا كذلك بالأمر العلوي في كل فاصلة :
« قُلْ : أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً ؟ »
. .
« قُلِ : اللَّهُ »
. .
« قُلْ : لا أَشْهَدُ »
. .
« قُلْ : إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ »
. . مما يضفي على الجو كله رهبة غامرة ؛ ويضفي على الأمر كله طابع جد مرهوب !
« قُلْ : لِمَنْ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ؟ قُلْ لِلَّهِ ، كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ، لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ ، الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ . وَلَهُ ما سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ ، وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ »
. . إنه موقف المواجهة للبيان والتقرير ، ثم المفاصلة . . ومن ثم يبدأ بتوجيه الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - لهذه المواجهة . مواجهة المشركين - الذين يعرفون أن اللّه هو الخالق ثم يعدلون به من لا يخلق ؛ فيجعلون له شركاء مع اللّه في تصريف حياتهم - مواجهتهم بالسؤال عن الملكية - بعد الخلق - لكل ما في السماوات والأرض ، مستقصيا بهذا السؤال حدود الملكية في المكان :
« ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ »
. . مع تقرير الحقيقة التي لم يكونوا هم يجادلون فيها ؛ والتي حكى القرآن في مواضع أخرى إقرارهم الكامل بها :
« قُلْ : لِمَنْ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ؟ قُلْ : لِلَّهِ »
. . ولقد كان العرب في جاهليتهم - على كل ما في هذه الجاهلية من ضلال في التصور ينشأ عنه انحطاط في الحياة - أرقى - في هذا الجانب - من الجاهلية « العلمية » الحديثة ، التي لا تعرف هذه الحقيقة ، والتي تغلق فطرتها وتعطلها دون رؤية هذه الحقيقة ! كانوا يعرفون ويقررون أن للّه ما في السماوات والأرض . ولكنهم ما كانوا يرتبون على هذه الحقيقة نتائجها المنطقية ؛ بإفراد اللّه سبحانه بالحاكمية فيما يملك ، وعدم التصرف فيه إلا بإذن اللّه وحده وشرعه . . وبهذا اعتبروا مشركين ، وسميت حياتهم بالجاهلية ! فكيف بمن يخرجون الحاكمية في أمرهم كله من اختصاص اللّه سبحانه ؛ ويزاولونها هم بأنفسهم ؟ ! بما ذا يوصفون وبما ذا توصف حياتهم ؟ لا بد من إعطائهم صفة أخرى غير الشرك . . فهو الكفر والظلم والفسق كما يقرر اللّه سبحانه . . أيا كانت دعواهم في الإسلام وأيا كانت الصفة التي تعطيها لهم شهادات الميلاد ! ونعود إلى الآية . لنجد السياق يلحق بهذا التقرير لملكية اللّه - سبحانه - لما في السماوات وما في الأرض ، أنه - سبحانه :
« كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ »
. . فهو سبحانه المالك ، لا ينازعه منازع ، ولكنه - فضلا منه ومنة - كتب على نفسه الرحمة . كتبها بإرادته ومشيئته ؛ لا يوجبها عليه موجب ؛ ولا يقترحها عليه مقترح ؛ ولا يقتضيها منه مقتض - إلا إرادته الطليقة وإلا ربوبيته الكريمة - وهي - الرحمة - قاعدة قضائه في خلقه ، وقاعدة معاملته لهم في الدنيا والآخرة . . والاعتقاد إذن بهذه القاعدة يدخل في مقوّمات التصور الإسلامي ، فرحمة اللّه بعباده هي الأصل ، حتى في ابتلائه لهم أحيانا بالضراء . فهو يبتليهم ليعد طائفة منهم بهذا الابتلاء لحمل أمانته ، بعد الخلوص والتجرد والمعرفة والوعي والاستعداد والتهيؤ عن طريق هذا الابتلاء ؛ وليميز الخبيث من الطيب في الصف ، وليعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه ؛ وليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حيّ عن بينة . . والرحمة في هذا كله ظاهرة . .
في ظلال القرآن — صفحة 1048 | سيد قطب