تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1017

مساهمون:

ص١٠١٧
هذه الجاهلية التي تعم وجه الأرض اليوم ، وفي قلبه ، وفي همه ، وفي حركته ، أن « ينشئ » الإسلام في نفسه وفي نفوس الناس ، وفي حياته وفي حياة الناس ، مرة أخرى في مواجهة هذه الجاهلية . بكل تصوراتها ، وكل اهتماماتها وكل تقاليدها ، وكل واقعها العملي ؛ وكل ضغطها كذلك عليه ، وحربها له ، ومناهضتها لعقيدته الربانية ، ومنهجه الرباني ؛ وكل استجاباتها كذلك لهذا المنهج ولهذه العقيدة ؛ بعد الكفاح والجهاد والإصرار . . هذا هو الجو القرآني الذي يمكن أن يعيش فيه الإنسان ؛ فيتذوق هذا القرآن . . فهو في مثل هذا الجو نزل ، وفي مثل هذا الخضم عمل . . والذين لا يعيشون في مثل هذا الجو معزولون عن القرآن مهما استغرقوا في مدارسته وقراءته والاطلاع على علومه . . والمحاولة التي نبذلها لإقامة القنطرة بين المخلصين من هؤلاء وبين القرآن ، ليست بالغة شيئا ، إلا بعد أن يجتاز هؤلاء القنطرة ؛ ويصلوا إلى المنطقة الأخرى ؛ ويحاولوا أن يعيشوا في « جو القرآن » حقا بالعمل والحركة . وعندئذ فقط سيتذوقون هذا القرآن ؛ ويتمتعون بهذه النعمة التي ينعم اللّه بها على من يشاء . . هذه السورة تعالج قضية العقيدة الأساسية . . قضية الألوهية والعبودية . . تعالجها بتعريف العباد برب العباد . . من هو ؟ ما مصدر هذا الوجود ؟ ما ذا وراءه من أسرار ؟ من هم العباد ؟ من ذا الذي جاء بهم إلى هذا الوجود ؟ من أنشأهم ؟ من يطعمهم ؟ من يكفلهم ؟ من يدبر أمرهم ؟ من يقلب أفئدتهم وأبصارهم ؟ من يقلب ليلهم ونهارهم ؟ من يبدئهم ثم يعيدهم ؟ لأي شيء خلقهم ؟ ولأي أجل أجلهم ؟ ولأي مصير يسلمهم ؟ . . هذه الحياة المنبثقة هنا وهناك . . من بثها في هذا الموات ؟ . . هذا الماء الهاطل . هذا البرعم النابغ . هذا الحب المتراكب . هذا النجم الثاقب . هذا الصبح البازغ . هذا الليل السادل . هذا الفلك الدوار . . هذا كله من وراءه ؟ وما ذا وراءه من أسرار ، ومن أخبار ؟ . . هذه الأمم ، وهذه القرون ، التي تذهب وتجيء ، وتهلك وتستخلف . . من ذا يستخلفها ؟ ومن ذا يهلكها ؟ لما ذا تستخلف ؟ ولما ذا يدركها البوار ؟ وما ذا بعد الاستخلاف والابتلاء والوفاة من مصير وحساب وجزاء ؟ ؟ ؟ هكذا تطوّف السورة بالقلب البشري في هذه الآماد والآفاق ، وفي هذه الأغوار والأعماق . . ولكنها تمضي في هذا كله على منهج القرآن المكي . . الذي أسلفنا الحديث عنه في الصفحات السابقة - وعلى منهج القرآن كله . . إنها لا تهدف إلى تصوير نظرية في العقيدة ولا إلى جدل لاهوتي يشغل الأذهان والأفكار . . إنما تهدف إلى تعريف الناس بربهم الحق ؛ لتصل من هذا التعريف إلى تعبيد الناس لربهم الحق . تعبيد ضمائرهم وأرواحهم ، وتعبيد سعيهم وحركتهم ، وتعبيد تقاليدهم وشعائرهم ، وتعبيد واقعهم كله لهذا السلطان المتفرد . . سلطان اللّه الذي لا سلطان لغيره في الأرض ولا في السماء . . ويكاد اتجاه السورة كله يمضي إلى هذا الهدف المحدد . . من أولها إلى آخرها . . فاللّه هو الخالق . واللّه هو الرازق . واللّه هو المالك . واللّه هو صاحب القدرة والقهر والسلطان . واللّه هو العليم بالغيوب والأسرار . واللّه هو الذي يقلب القلوب والأبصار كما يقلب الليل والنهار . . وكذلك يجب أن يكون اللّه هو الحاكم في حياة العباد ؛ وألا يكون لغيره نهي ولا أمر ، ولا شرع ولا حكم ، ولا تحليل ولا تحريم . فهذا كله من خصائص الألوهية ، ولا يجوز أن يزاوله في حياة الناس أحد من دون اللّه ، لا يخلق ، ولا يرزق ، ولا يحيي ولا يميت ، ولا يضر ولا ينفع ، ولا يمنح ولا يمنع ، ولا يملك لنفسه ولا لغيره شيئا في الدنيا ولا في الآخرة . .