تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1016

مساهمون:

ص١٠١٦
بشرا ذا قلب لا يجد منها لونا من هذا الذي أجد . . إن الروعة فيها تبلغ فعلا حد البهر . حتى لا يملك القلب أن يتابعها إلا مبهورا مبدوها ! إنها - في جملتها - تعرض « حقيقة الألوهية » . . تعرضها في مجال الكون والحياة ، كما تعرضها في مجال النفس والضمير ، وتعرضها في مجاهيل هذا الكون المشهود ، كما تعرضها في مجاهيل ذلك الغيب المكنون . . وتعرضها في مشاهد النشأة الكونية والنشأة الحيوية والنشأة الإنسانية ، كما تعرضها في مصارع الغابرين واستخلاف المستخلفين . . وتعرضها في مشاهد الفطرة وهي تواجه الكون ، وتواجه الأحداث ، وتواجه النعماء والضراء ، كما تعرضها في مظاهر القدرة الإلهية والهيمنة في حياة البشر الظاهرة والمستكنة ، وفي أحوالهم الواقعة والمتوقعة . . وأخيرا تعرضها في مشاهد القيامة ، ومواقف الخلائق وهي موقوفة على ربها الخالق . . إن موضوعها الذي تعالجه من مبدئها إلى منتهاها هو موضوع العقيدة ، بكل مقوماتها وبكل مكوناتها . وهي تأخذ بمجامع النفس البشرية ، وتطوّف بها في الوجود كله ، وراء ينابيع العقيدة وموحياتها المستسرة والظاهرة في هذا الوجود الكبير . . إنها تطوف بالنفس البشرية في ملكوت السماوات والأرض ، تلحظ فيها الظلمات والنور ، وترقب الشمس والقمر والنجوم . وتسرح في الجنات المعروشات وغير المعروشات ، والمياه الهاطلة عليها والجارية فيها ؛ وتقف بها على مصارع الأمم الخالية ، وآثارها البائدة والباقية . ثم تسبح بها في ظلمات البر والبحر ، وأسرار الغيب والنفس ، والحي يخرج من الميت والميت يخرج من الحي ، والحبة المستكنة في ظلمات الأرض ، والنطفة المستكنة في ظلمات الرحم . ثم تموج بالجن والإنس ، والطير والوحش ، والأولين والآخرين ، والموتى والأحياء ، والحفظة على النفس بالليل والنهار . . إنه الحشد الكوني الذي يزحم أقطار النفس ، وأقطار الحس . . ثم إنها اللمسات المبدعة المحيية ، التي تنتفض بعدها المشاهد والمعاني أحياء في الحس والخيال . . وإذا كل مكرور مألوف من المشاهد والمشاعر ، جديد نابض ، كأنما تتلقاه النفس أول مرة ؛ وكأنما لم يطلع عليه من قبل ضمير إنسان ! وهي تشبه في سياقها المتدافع بهذه المشاهد والمواقف والموحيات والإيقاعات والصور والظلال مجرى النهر المتدافع بالأمواج المتلاحقة . ما تكاد الموجة تصل إلى قرارها حتى تبدو الموجة التالية ملاحقة لها ، متشابكة معها ؛ في المجرى المتصل المتدفق ! وهي في كل موجة من هذه الموجات المتدافعة المتلاحقة المتشابكة ، تبلغ حد « الروعة الباهرة » التي وصفنا - مع تناسق منهج العرض في شتى المشاهد كما سنبين - وتأخذ على النفس أقطارها بالروعة الباهرة ، وبالحيوية الدافقة ، وبالإيقاع التصويري والتعبيري والموسيقي وبالتجمع والاحتشاد ومواجهة النفس من كل درب ومن كل نافذة ! ونحن - سلفا - على يقين أننا لسنا ببالغين شيئا في نقل إيقاعات هذه السورة إلى أي قلب إلا بأن ندع السورة ذاتها تنطلق بسياقها الذاتي ، وإيقاعها الذاتي ، إلى هذا القلب . . لسنا ببالغين شيئا بالوصف البشري والأسلوب البشري . . ولكنها مجرد المحاولة لإقامة القنطرة بين المعزولين عن هذا القرآن - بحكم بعدهم عن الحياة في جو القرآن - وبين هذا القرآن ! والحياة في جو القرآن لا تعني مدارسة القرآن ؛ وقراءته والاطلاع على علومه . . إن هذا ليس « جو القرآن » الذي نعنيه . . إن الذي نعنيه بالحياة في جو القرآن : هو أن يعيش الإنسان في جو ، وفي ظروف ، وفي حركة ، وفي معاناة ، وفي صراع ، وفي اهتمامات . . كالتي كان يتنزل فيها هذا القرآن . . أن يعيش الإنسان في مواجهة