تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1015

مساهمون:

ص١٠١٥
وإذا صح هذا في أصل النظرية فهو أصح - بطبيعة الحال - فيما يختص بتقديم أسس النظام الذي يتمثل فيه التصور الإسلامي ، أو تقديم التشريعات المفصلة لهذا النظام . إن الجاهلية التي حولنا كما أنها تضغط على أعصاب بعض المخلصين من أصحاب الدعوة الإسلامية فتجعلهم يستعجلون خطوات المنهج الإسلامي ، كذلك هي تتعمد أحيانا أن تحرجهم فتسألهم : أين تفصيلات نظامكم الذي تدعون إليه ؟ وما ذا أعددتم لتنفيذه من بحوث ومن تفصيلات ومن مشروعات ؟ وهي في هذا تتعمد أن تعجلهم عن منهجهم ، وأن تجعلهم يتجاوزون مرحلة بناء العقيدة ؛ وأن يحولوا منهجهم الرباني عن طبيعته ، التي تتبلور فيها النظرية من خلال الحركة ، ويتحدد فيها النظام من خلال الممارسة ، وتسن فيها التشريعات في ثنايا مواجهة الحياة الواقعية بمشكلاتها الحقيقية . . ومن واجب أصحاب الدعوة الإسلامية ألا يستجيبوا للمناورة ! من واجبهم أن يرفضوا إملاء منهج غريب على حركتهم وعلى دينهم ! من واجبهم ألا يستخفهم من لا يوقنون ! ومن واجبهم أن يكشفوا مناورة الإحراج وأن يستعلوا عليها ؛ وأن يتحركوا بدينهم وفق منهج هذا الدين في الحركة . فهذا من أسرار قوته ، وهذا هو مصدر قوتهم كذلك . إن المنهج في الإسلام يساوي الحقيقة ؛ ولا انفصام بينهما . . وكل منهج غريب لا يمكن أن يحقق الإسلام في النهاية . والمناهج الغربية الغريبة يمكن أن تحقق أنظمتها البشرية ؛ ولكنها لا يمكن أن تحقق نظامنا الرباني . . فالتزام المنهج ضروري كالتزام العقيدة وكالتزام النظام في كل حركة إسلامية . لا في الحركة الإسلامية الأولى كما يظن بعض الناس ! هذه هي كلمتي الأخيرة . . وإنني لأرجو أن أكون بهذا البيان لطبيعة القرآن المكي ، ولطبيعة المنهج الرباني المتمثل فيه ، قد بلغت ؛ وأن يعرف أصحاب الدعوة الإسلامية طبيعة منهجهم ، ويثقوا به ، ويطمئنوا إليه ؛ ويعلموا أن ما عندهم خير ، وأنهم هم الأعلون . .
« إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ »
. . صدق اللّه العظيم . . ونمضي بعد ذلك لمواجهة السورة . هذه السورة - وهي أولى السور المكية التي نتعرض لها هنا في سياق هذه الظلال - نموذج كامل للقرآن المكي الذي تحدثنا عن طبيعته وخصائصه ومنهجه في الصفحات السابقة ؛ وهي تمثل طبيعة هذا القرآن وخصائصه ومنهجه ، في موضوعها الأساسي ، وفي منهج التناول ، وفي طريقة العرض سواء . . ذلك مع احتفاظها « بشخصيتها » الخاصة ؛ وفق الظاهرة الملحوظة في كل سور القرآن ؛ والتي لا تخطئها الملاحظة البصيرة في أية سورة . . فلكل سورة شخصيتها ، وملامحها ، ومحورها ، وطريقة عرضها لموضوعها الرئيسي ؛ والمؤثرات الموحية المصاحبة للعرض ؛ والصور والظلال والجو الذي يظللها ؛ والعبارات الخاصة التي تتكرر فيها ؛ وتكون أشبه باللوازم المطردة فيها . . . حتى وهي تتناول موضوعا واحدا أو موضوعات متقاربة . فليس الموضوع هو الذي يرسم شخصية السورة ؛ ولكنه هذه الملامح والسمات الخاصة بها ! وهذه السورة - مع ذلك - تعالج موضوعها الأساسي بصورة فريدة . . إنها في كل لمحة منها وفي كل موقف ، وفي كل مشهد ، تمثل « الروعة الباهرة » . . الروعة التي تبده النفس ، وتشده الحس ، وتبهر النّفس أيضا ؛ وهو يلاحق مشاهدها وإيقاعها وموحياتها مبهورا ! نعم ! هذه حقيقة ! حقيقة أجدها في نفسي وحسي وأنا أتابع سياق السورة ومشاهدها وإيقاعاتها . . وما أظن