وموقف الإشهاد والمفاصلة . وموقف البأس والتدمير على المشركين . .
وهي ذات المشاهد التي حشدها السياق في السورة كلها من قبل ، وهو يتناول قضية العقيدة بجملتها ، قبل أن يتعرض لهذه المناسبة الخاصة التي تتمثل فيها . ولكل هذا دلالته التي لا تخطئ على طبيعة هذا الدين ، ونظرته لقضية الحاكمية والتشريع في الكثير والقليل . .
ولعلنا قد سبقنا سياق السورة ؛ ونحن نبين منهجها الموضوعي وهي تتناول قضية العقيدة بجملتها ، في مواجهة مناسبة جزئية تتعلق بأمر التشريع والحاكمية . وهي المناسبة التي لا نقول : إنها اقتضت ذلك الحشد المجتمع المتدفق من التقريرات والتأثيرات في سياق السورة كله ، وهذا البيان الرائع الباهر لحقيقة الألوهية في مجالها الواسع الشامل . ولكننا نقول : إنها المناسبة التي ربطت في سياق السورة بهذا كله ؛ فدل هذا الربط على طبيعة هذا الدين ؛ ونظرته لقضية التشريع والحاكمية في الكبير والصغير ، وفي الجليل والحقير من شؤون هذه الحياة الدنيا . . كما أسلفنا . .
فالآن نمضي في التعريف المجمل بالسورة وخصائصها وملامحها ، على النحو الذي ألفناه في هذه الظلال ، قبل الدخول في الاستعراض المفصل للسياق :
في روايات عن ابن عباس ، وعن أسماء بنت يزيد ، وعن جابر ، وعن أنس بن مالك وعن عبد اللّه بن مسعود - رضي اللّه عنهم جميعا - أن هذه السورة مكية ، وأنها نزلت كلها جملة واحدة .
وليس في هذه الروايات ما يعين تاريخ نزول السورة ، وليس في موضوعها كذلك ما يحدد زمن نزولها من العهد المكي . . وهي حسب الترتيب الراجح لسور القرآن يجيء ترتيبها بعد سورة الحجر ؛ وتكون هي السورة الخامسة والخمسين . . ولكننا - كما بينا من قبل في التعريف بسورة البقرة - لا نستطيع بمثل هذه المعلومات أن نجزم بشيء عن تاريخ محدد لنزول السور . فالمعول عليه عندهم - في الغالب - في ترتيب السور على هذا النحو هو تاريخ نزول أوائلها - لا جملتها - وقد تكون هناك أجزاء من سورة متقدمة نزلت بعد أجزاء من سورة متأخرة . إذ المعول في الترتيب على أوائل السورة . . أما في سورة الأنعام فقد نزلت كلها جملة .
ولكننا لا نملك تحديد تاريخ نزولها . غير أننا نرجح أنها كانت بعد السنوات الأولى من الرسالة . . ربما الخامسة أو السادسة . . ولا نعتمد في هذا الترجيح على أكثر من رقم الترتيب ؛ ثم على سعة الموضوعات التي تناولتها ، والتوسع في عرضها على هذا النحو ، الذي يشي بأن الدعوة والجدل مع المشركين ، وطول الإعراض منهم والتكذيب لرسول اللّه ، أصبح يقتضي التوسع في عرض القضايا العقيدية على هذا النحو ؛ كما يقتضي تسلية رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - عن طول الصد والإعراض والتكذيب . .
وفي رواية عن ابن عباس وقتادة : أن السورة مكية كلها إلا آيتين منها نزلتا بالمدينة . قوله تعالى :
« وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قالُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ . قُلْ : مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى نُوراً وَهُدىً لِلنَّاسِ ، تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها وَتُخْفُونَ كَثِيراً ، وَعُلِّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آباؤُكُمْ ، قُلِ : اللَّهُ ، ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ »
. . وهي الآية : 91 . نزلت في مالك بن الصيف وكعب بن الأشرف اليهوديين . وقوله تعالى :
« وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ ، وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشابِهاً وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ ، كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ ، وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ ، وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ »
. .