تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1012

مساهمون:

ص١٠١٢
فيما بعد ما سمي ب « علم التوحيد » أو « علم الكلام » ! كلا . . لقد كان القرآن الكريم يخاطب فطرة « الإنسان » بما في وجوده هو وبما في الوجود من حوله من دلائل وإيحاءات . . كان يستنقذ فطرته من الركام ؛ ويخلص أجهزة الاستقبال الفطرية مما ران عليها وعطل وظائفها ؛ ويفتح منافذ الفطرة لتتلقى الموحيات المؤثرة وتستجيب لها . . والسورة التي بين أيدينا نموذج كامل من هذا المنهج المتفرد وسنتحدث عن خصائصها بعد قليل . . هذا بصفة عامة . وبصفة خاصة كان القرآن يخوض بهذه العقيدة معركة حية واقعية . . كان يخوض بها معركة مع الركام المعطل للفطرة . . في نفوس آدمية حاضرة واقعة . . ومن ثم لم يكن شكل « النظرية » هو الشكل الذي يناسب هذا الواقع الحاضر . إنما كان هو شكل المواجهة الحية للعقابيل والسدود والحواجز والمعوقات النفسية والواقعية في النفوس الحاضرة الحية . . ولم يكن الجدل الذهني الذي انتهجه - في العصور المتأخرة - علم التوحيد ، هو الشكل المناسب كذلك . . فلقد كان القرآن يواجه واقعا بشريا كاملا بكل ملابساته الحية ؛ ويخاطب الكينونة البشرية بجملتها في خضم هذا الواقع . . وكذلك لم يكن « اللاهوت » هو الشكل المناسب . فإن العقيدة الإسلامية ولو أنها عقيدة ، إلا أنها عقيدة تمثل منهج حياة واقعية للتطبيق العملي ؛ ولا تقبع في الزاوية الضيقة التي تقبع فيها الأبحاث اللاهوتية النظرية ! كان القرآن وهو يبني العقيدة في ضمائر الجماعة المسلمة يخوض بهذه الجماعة المسلمة معركة ضخمة مع الجاهلية من حولها ؛ كما يخوض بها معركة ضخمة مع رواسب الجاهلية في ضميرها وأخلاقها وواقعها . . ومن هذه الملابسات ظهر بناء العقيدة ، لا في صورة نظرية ، ولا في صورة لاهوت ولا في صورة جدل كلامي . . ولكن في صورة تكوين تنظيمي مباشر للحياة ، ممثل في الجماعة المسلمة ذاتها . وكان نمو الجماعة المسلمة في تصورها الاعتقادي ، وفي سلوكها الواقعي وفق هذا التصور ، وفي دربتها على مواجهة الجاهلية كمنظمة محاربة لها . . كان هذا النمو ذاته ممثلا تماما لنمو البناء العقيدي ، وترجمة حية له . . وهذا هو منهج الإسلام الذي يمثل طبيعته كذلك . . وإنه لمن الضروري لأصحاب الدعوة الإسلامية أن يدركوا طبيعة هذا الدين ومنهجه في الحركة على هذا النحو الذي بيناه . . ذلك ليعلموا أن مرحلة بناء العقيدة التي طالت في العهد المكي على هذا النحو ، لم تكن منعزلة عن مرحلة التكوين العملي للحركة الإسلامية ، والبناء الواقعي للجماعة المسلمة . . لم تكن مرحلة تلقي « النظرية » ودراستها ! ولكنها كانت مرحلة البناء القاعدي للعقيدة وللجماعة وللحركة وللوجود الفعلي معا . . وهكذا ينبغي أن تكون كلما أريد إعادة هذا البناء مرة أخرى . . هكذا ينبغي أن تطول مرحلة بناء العقيدة ؛ وأن تتم خطواتها على مهل وفي عمق وتثبت . . وهكذا ينبغي ألا تكون مرحلة بناء العقيدة مرحلة دراسة نظرية للعقيدة ؛ ولكن مرحلة ترجمة لهذه العقيدة في صورة حية ، متمثلة في ضمائر متكيفة بهذه العقيدة ؛ ومتمثلة في بناء جماعي يعبر نموه عن نمو العقيدة ذاتها ؛ ومتمثلة في حركة واقعية تواجه الجاهلية وتخوض معها المعركة في الضمير وفي الواقع كذلك ؛ لتتمثل العقيدة حية وتنمو نموا حيا في خضم المعركة . وخطأ أي خطأ - بالقياس إلى الإسلام - أن تتبلور النظرية في صورة نظرية مجردة للدراسة النظرية . . المعرفية الثقافية . . بل خطر أي خطر كذلك . . إن القرآن لم يقض ثلاثة عشر عاما كاملة في بناء العقيدة بسبب أنه كان يتنزل للمرة الأولى . . كلا !