تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1004

مساهمون:

ص١٠٠٤

( 6 ) سورة الأنعام مكيّة وآياتها خمس وستون ومائة

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم هذه السورة مكية . . من القرآن المكي . . القرآن الذي ظل يتنزل على رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - ثلاثة عشر عاما كاملة ، يحدثه فيها عن قضية واحدة . قضية واحدة لا تتغير ، ولكن طريقة عرضها لا تكاد تتكرر . ذلك أن الأسلوب القرآني يدعها في كل عرض جديدة ، حتى لكأنما يطرقها للمرة الأولى ! لقد كان يعالج القضية الأولى ، والقضية الكبرى ، والقضية الأساسية ، في هذا الدين الجديد ، « قضية العقيدة » ممثلة في قاعدتها الرئيسية . . الألوهية والعبودية ، وما بينهما من علاقة . لقد كان يخاطب بهذه القضية « الإنسان » . الإنسان بما أنه إنسان . . وفي هذا المجال يستوي الإنسان العربي في ذلك الزمان والإنسان العربي في كل زمان . كما يستوي الإنسان العربي وكل إنسان . في ذلك الزمان وفي كل زمان ! إنها قضية « الإنسان » التي لا تتغير ، لأنها قضية وجوده في هذا الكون وقضية مصيره . قضية علاقته بهذا الكون وبهؤلاء الأحياء ، وقضية علاقته بخالق هذا الكون وخالق هذه الأحياء . . وهي قضية لا تتغير ، لأنها قضية الوجود والإنسان ! لقد كان هذا القرآن المكي يفسر للإنسان سر وجوده ووجود هذا الكون من حوله . . كان يقول له : من هو ؟ ومن أين جاء ؛ وكيف جاء ؛ ولما ذا جاء ؟ وإلى أين يذهب في نهاية المطاف ؟ من ذا الذي جاء به من العدم والمجهول ؟ ومن ذا الذي يذهب به وما مصيره هناك ؟ . . وكان يقول له : ما هذا الوجود الذي يحسه ويراه ، والذي يحس أن وراءه غيبا يستشرفه ولا يراه ؟ من أنشأ هذا الوجود الملئ بالأسرار ؟ من ذا يدبره ومن ذا يحوره ؟ ومن ذا يجدد فيه ويغير على النحو الذي يراه ؟ . . وكان يقول له كذلك : كيف يتعامل مع خالق هذا الكون ، ومع الكون أيضا ، وكيف يتعامل العباد مع خالق العباد . وكانت هذه هي القضية الكبرى التي يقوم عليها وجود « الإنسان » . وستظل هي القضية الكبرى التي يقوم عليها وجوده ، على توالي الأزمان . . وهكذا انقضت ثلاثة عشر عاما كاملة في تقرير هذه القضية الكبرى . القضية التي ليس وراءها شيء في حياة الإنسان إلا ما يقوم عليها من المقتضيات والتفريعات . .
في ظلال القرآن — صفحة 1004 | سيد قطب