تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1002

مساهمون:

ص١٠٠٢
اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ، ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ »
. . . . هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم . . إنه التعقيب المناسب على كذب الكاذبين ؛ الذين أطلقوا تلك الفرية الضخمة على ذلك النبي الكريم . في أعظم القضايا كافة . . قضية الألوهية والعبودية ، التي يقوم على أساس الحق فيها هذا الوجود كله وما فيه ومن فيه . . . . هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم . . إنها كلمة رب العالمين ، في ختام الاستجواب الهائل على مشهد من العالمين . . وهي الكلمة الأخيرة في المشهد . وهي الكلمة الحاسمة في القضية . ومعها ذلك الجزاء الذي يليق بالصدق والصادقين :
« لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ »
. .
« خالِدِينَ فِيها أَبَداً »
. .
« رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ »
. .
« وَرَضُوا عَنْهُ »
. . درجات بعد درجات . . الجنات والخلود ورضا اللّه ورضاهم بما لقوا من ربهم من التكريم :
« ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ »
. . ولقد شهدنا المشهد - من خلال العرض القرآني له بطريقة القرآن الفريدة - وسمعنا الكلمة الأخيرة . . شهدنا وسمعنا لأن طريقة التصوير القرآنية لم تدعه وعدا يوعد ، ولا مستقبلا ينتظر ؛ ولم تدعه عبارات تسمعها الآذان أو تقرؤها العيون . إنما حركت به المشاعر ، وجسمته واقعا اللحظة تسمعه الآذان وتراه العيون . . على أنه إن كان بالقياس إلينا - نحن البشر المحجوبين - مستقبلا ننتظره يوم الدين ، فهو بالقياس إلى علم اللّه المطلق ، واقع حاضر . فالزمن وحجابه إنما هما من تصوراتنا نحن البشر الفانين . . وفي نهاية هذا الدرس ؛ وفي مواجهة الفرية الكبرى التي لم يفتر أضخم منها قط أتباع رسول ! في مواجهة الفرية الكبرى التي أطلقها أتباع المسيح عيسى بن مريم - عليه السّلام - فرية ألوهيته ؛ الفرية التي تبرأ منها هذا التبرؤ ، وفوض ربه في أمر قومه بشأنها هذا التفويض . . في مواجهة هذه الفرية ، وفي نهاية الدرس الذي عرض ذلك الاستجواب الرهيب عنها ، في ذلك المشهد العظيم . . يجيء الإيقاع الأخير في السورة ؛ يعلن تفرد اللّه - سبحانه - بملك السماوات والأرض وما فيهن ؛ وقدرته - سبحانه - على كل شيء بلا حدود :
« لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما فِيهِنَّ ، وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ »
. . ختام يتناسق مع تلك القضية الكبرى التي أطلقت حولها تلك الفرية الضخمة ، ومع ذلك المشهد العظيم الذي يتفرد اللّه فيه بالعلم ، ويتفرد بالألوهية ، ويتفرد بالقدرة ، وينيب إليه الرسل ؛ ويفوضون إليه الأمر كله ؛ ويفوض فيه عيسى بن مريم أمره وأمر قومه إلى العزيز الحكيم . الذي له ملك السماوات والأرض وما فيهن ، وهو على كل شيء قدير . . وختام يتناسق مع السورة التي تتحدث عن « الدين » وتعرضه ممثلا في اتباع شريعة اللّه وحده ، والتلقي منه وحده ، والحكم بما أنزله دون سواه . . إنه المالك الذي له ملك السماوات والأرض وما فيهن ، والمالك هو
في ظلال القرآن — صفحة 1002 | سيد قطب