ويرجو على الطاعة فيه الخير والحسنى في الدنيا والآخرة سواء . فلا تمتلئ قلوب بالطمع ، ولا تمتلئ قلوب بالحقد ؛ ولا تسير الأمور كلها بالسيف والعصا ؛ وبالتخويف والإرهاب ! ولا تفسد القلوب كلها وتختنق الأرواح ؛ كما يقع في الأوضاع التي نراها قد قامت على غير : « لا إله إلا الله » . .
وبعث رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - والمستوي الأخلاقي في الجزيرة العربية في الدرك الأسفل في جوانب منه شتى - إلى جانب ما كان في المجتمع من فضائل الخامة البدوية .
كان التظالم فاشيا في المجتمع ، تعبر عنه حكمة الشاعر : زهير بن أبي سلمى :
ومن لم يذد عن حوضه بسلاحه * يهدم ، ومن لا يظلم الناس يظلم
ويعبر عنه القول المتعارف : « انصر أخاك ظالما أو مظلوما » .
وكانت الخمر والميسر من تقاليد المجتمع الفاشية ومن مفاخره كذلك ! يعبر عن هذه الخصلة الشعر الجاهلي بجملته . . كالذي يقوله طرفة بن العبد :
فلو لا ثلاث هن من زينة الفتى * وجدك لم أحفل متى قام عوّدي
فمنهن سبقي العاذلات بشربة * كميت متى ما تعل بالماء تزبد !
. . . إلخ وكانت الدعارة - في صور شتى - من معالم هذا المجتمع . . كالذي روته عائشة رضي اللّه عنها :
« إن النكاح في الجاهلية كان على أربعة أنحاء : فنكاح منها نكاح الناس اليوم : يخطب الرجل إلى الرجل وليته أو بنته ، فيصدقها ثم ينكحها . . والنكاح الآخر كان الرجل يقول لامرأته - إذا طهرت من طمثها - أرسلي إلى فلان فاستبضعي منه . ويعتزلها زوجها ولا يمسها أبدا حتى يتبين حملها من ذلك الرجل الذي تستبضع منه . فإذا تبين حملها أصابها زوجها إذا أحب . وإنما يفعل ذلك رغبة في نجابة الولد ! فكان هذا النكاح نكاح الاستبضاع . . ونكاح آخر : يجتمع الرهط ما دون العشرة فيدخلون على المرأة ، كلهم يصيبها . فإذا حملت ووضعت ، ومر عليها ليال ، بعد أن تضع حملها ، أرسلت إليهم ، فلم يستطع رجل منهم أن يمتنع ، حتى يجتمعوا عندها ، تقول لهم : قد عرفتم الذي كان من أمركم ، وقد ولدت ، فهو ابنك يا فلان ، تسمي من أحبت باسمه فيلحق به ولدها ، ولا يستطيع أن يمتنع به الرجل . والنكاح الرابع يجتمع الناس الكثير فيدخلون على المرأة لا تمتنع ممن جاءها - وهن البغايا كن ينصبن على أبوابهن الرايات تكون علما ، فمن أرادهن دخل عليهن - فإذا حملت إحداهن ووضعت حملها ، جمعوا لها ودعوا القافة ، ثم ألحقوا ولدها بالذي يرون فالتاطه ، ودعي ابنه لا يمتنع من ذلك » . . . ( أخرجه البخاري في كتاب النكاح ) .
وكان في استطاعة محمد - صلى اللّه عليه وسلم - أن يعلنها دعوة إصلاحية ، تتناول تقويم الأخلاق ، وتطهير المجتمع ، وتزكية النفوس ، وتعديل القيم والموازين . .
وكان واجدا وقتها - كما يجد كل مصلح أخلاقي في أية بيئة - نفوسا طيبة ، يؤذيها هذا الدنس ؛ وتأخذها الأريحية والنخوة لتلبية دعوة الإصلاح والتطهير . .
وربما قال قائل : إنه لو صنع رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - ذلك فاستجابت له - في أول الأمر - جمهرة صالحة ؛ تتطهر أخلاقها ، وتزكو أرواحها ، فتصبح أقرب إلى قبول العقيدة وحملها . . بدلا من أن تثير دعوة أن لا إله إلا اللّه المعارضة القوية منذ أول الطريق !