تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1006

مساهمون:

ص١٠٠٦
ولو دعا يومها رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - هذه الدعوة لاستجابت له العرب قاطبة - على الأرجح - بدلا من أن يعاني ثلاثة عشر عاما في اتجاه معارض لأهواء أصحاب السلطان في الجزيرة ! وربما قيل : إن محمدا - صلى اللّه عليه وسلم - كان خليقا بعد أن يستجيب له العرب هذه الاستجابة ؛ وبعد أن يولوه فيهم القيادة والسيادة ؛ وبعد استجماع السلطان في يديه والمجد فوق مفرقه . . أن يستخدم هذا كله في إقرار عقيدة التوحيد التي بعثه بها ربه ، وفي تعبيد الناس لسلطان ربهم بعد أن عبدهم لسلطانه ! ولكن اللّه - سبحانه - وهو العليم الحكيم ، لم يوجه رسوله - صلى اللّه عليه وسلم - هذا التوجيه ! إنما وجهه إلى أن يصدع بلا إله إلا اللّه : وأن يحتمل هو والقلة التي تستجيب له كل هذا العناء ! لما ذا ؟ إن اللّه - سبحانه - لا يريد أن يعنت رسوله والمؤمنين معه . . إنما هو - سبحانه - يعلم أن ليس هذا هو الطريق . . ليس الطريق أن تخلص الأرض من يد طاغوت روماني أو طاغوت فارسي . . إلى يد طاغوت عربي . . فالطاغوت كله طاغوت ! . . إن الأرض للّه ، ويجب أن تخلص للّه . ولا تخلص للّه إلّا أن ترتفع عليها راية : « لا إله إلا اللّه » . . وليس الطريق أن يتحرر الناس في هذه الأرض من طاغوت روماني أو طاغوت فارسي . . إلى طاغوت عربي . . فالطاغوت كله طاغوت ! إن الناس عبيد للّه وحده ، ولا يكونون عبيدا للّه وحده إلا أن ترتفع راية : « لا إله إلا اللّه » . . « لا إله إلا اللّه » كما كان يدركها العربي العارف بمدلولات لغته : لا حاكمية إلا للّه ، ولا شريعة إلا من اللّه ، ولا سلطان لأحد على أحد ، لأن السلطان كله للّه . . ولأن الجنسية التي يريدها الإسلام للناس هي جنسية العقيدة ، التي يتساوى فيها العربي والروماني والفارسي وسائر الأجناس والألوان تحت راية اللّه . وهذا هو الطريق . . وبعث رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - بهذا الدين ، والمجتمع العربي كأسوإ ما يكون المجتمع توزيعا للثروة والعدالة . . قلة قليلة تملك المال والتجارة ؛ وتتعامل بالربا فتضاعف تجارتها ومالها . وكثرة كثيرة لا تملك إلا الشظف والجوع . . والذين يملكون الثروة يملكون معها الشرف والمكانة ؛ وجماهير كثيفة ضائعة من المال والمجد جميعا ! وكان في استطاعة محمد - صلى اللّه عليه وسلم - أن يرفعها راية اجتماعية ؛ وأن يثيرها حربا على طبقة الأشراف ؛ وأن يطلقها دعوة تستهدف تعديل الأوضاع ورد أموال الأغنياء على الفقراء ! ولو دعا يومها رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - هذه الدعوة ، لا نقسم المجتمع العربي صفين : الكثرة الغالبة فيه مع الدعوة الجديدة ، في وجه طغيان المال والشرف . بدلا من أن يقف المجتمع كله صفا في وجه : « لا إله إلا اللّه » التي لم يرتفع إلى أفقها في ذلك الحين إلا الأفذاذ من الناس . وربما قيل : إن محمدا - صلى اللّه عليه وسلم - كان خليقا بعد أن تستجيب له الكثرة ؛ وتوليه قيادها ؛ فيغلب بها القلة ويسلس له مقادها . . أن يستخدم مكانه يومئذ وسلطانه في إقرار عقيدة التوحيد التي بعثه بها ربه ، وفي تعبيد الناس لسلطان ربهم بعد أن عبدهم لسلطانه ! ولكن اللّه - سبحانه - وهو العليم الحكيم ، لم يوجهه هذا التوجيه . . لقد كان اللّه - سبحانه - يعلم أن هذا ليس هو الطريق . . كان يعلم أن العدالة الاجتماعية لا بد أن تنبثق في المجتمع من تصور اعتقادي شامل ؛ يرد الأمر كله للّه ؛ ويقبل عن رضى وعن طواعية ما يقضي به اللّه من عدالة في التوزيع ، ومن تكافل بين الجميع ؛ ويستقر معه في قلب الآخذ والمأخوذ منه أنه ينفذ نظاما يرضاه اللّه ؛