فأما المجتمعات الجاهلية التي لا تتحاكم إلى شريعة اللّه ، فالمنكر الأكبر فيها والأهم ، هو المنكر الذي تنبع منه كل المنكرات . . هو رفض ألوهية اللّه برفض شريعته للحياة . . وهذا المنكر الكبير الأساسي الجذري هو الذي يجب أن يتجه إليه الإنكار ، قبل الدخول في المنكرات الجزئية ، التي هي تبع لهذا المنكر الأكبر ، وفرع عنه ، وعرض له . .
إنه لا جدوى من ضياع الجهد . . جهد الخيرين الصالحين من الناس . . في مقاومة المنكرات الجزئية ، الناشئة بطبيعتها من المنكر الأول . . منكر الجرأة على اللّه وادعاء خصائص الألوهية ، ورفض ألوهية اللّه ، برفض شريعته للحياة . . لا جدوى من ضياع الجهد في مقاومة منكرات هي مقتضيات ذلك المنكر الأول وثمراته النكدة بلا جدال .
على أنه إلام نحاكم الناس في أمر ما يرتكبونه من منكرات ؟ بأي ميزان نزن أعمالهم لنقول لهم : إن هذا منكر فاجتنبوه ؟ أنت تقول : إن هذا منكر ؛ فيطلع عليك عشرة من هنا ومن هناك يقولون لك : كلا ! ليس هذا منكرا . لقد كان منكرا في الزمان الخالي ! والدنيا « تتطور » ، والمجتمع « يتقدم » وتختلف الاعتبارات ! فلا بد إذن من ميزان ثابت نرجع إليه بالأعمال ، ولا بد من قيم معترف بها نقيس إليها المعروف والمنكر .
فمن أين نستمد هذه القيم ؟ ومن أين نأتي بهذا الميزان ؟
من تقديرات الناس وعرفهم وأهوائهم وشهواتهم - وهي متقلبة لا تثبت على حال ؟ إننا ننتهي إذن إلى متاهة لا دليل فيها ، وإلى خضم لا معالم فيه ! فلا بد ابتداء من إقامة الميزان . . ولا بد أن يكون هذا الميزان ثابتا لا يتأرجح مع الأهواء . .
هذا الميزان الثابت هو ميزان اللّه . .
فما ذا إذا كان المجتمع لا يعترف - ابتداء - بسلطان اللّه ؟ ما ذا إذا كان لا يتحاكم إلى شريعة اللّه ؟ بل ما ذا إذا كان يسخر ويهزأ ويستنكر وينكل بمن يدعوه إلى منهج اللّه ؟
ألا يكون جهدا ضائعا ، وعبثا هازلا ، أن تقوم في مثل هذا المجتمع لتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر ، في جزئيات وجانبيات من شؤون الحياة ، تختلف عليها الموازين والقيم ، وتتعارض فيها الآراء والأهواء ؟ ! إنه لا بد من الاتفاق مبدئيا على حكم ، وعلى ميزان ، وعلى سلطان ، وعلى جهة يرجع إليها المختلفون في الآراء والأهواء . .
لا بد من الأمر بالمعروف الأكبر وهو الاعتراف بسلطان اللّه ومنهجه للحياة . والنهي عن المنكر الأكبر وهو رفض ألوهية اللّه برفض شريعته للحياة . . وبعد إقامة الأساس يمكن أن يقام البنيان ! فلتوفر الجهود المبعثرة إذن ، ولتحشد كلها في جبهة واحدة ، لإقامة الأساس الذي عليه وحده يقام البنيان ! وإن الإنسان ليرثي أحيانا ويعجب لأناس طيبين ، ينفقون جهدهم في « الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر » في الفروع ؛ بينما الأصل الذي تقوم عليه حياة المجتمع المسلم ؛ ويقوم عليه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، مقطوع ! فما غناء أن تنهى الناس عن أكل الحرام مثلا في مجتمع يقوم اقتصاده كله على الربا ؛ فيستحيل ماله كله حراما ؛ ولا يملك فرد فيه أن يأكل من حلال . . لأن نظامه الاجتماعي والاقتصادي كله لا يقوم على شريعة اللّه . لأنه ابتداء يرفض ألوهية اللّه برفض شريعته للحياة ؟ !
في ظلال القرآن — صفحة 950
مساهمون: سيد قطب
ص٩٥٠