تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 948

مساهمون:

ص٩٤٨
والمجتمع لا يخلو من الشذوذ ، ولكن طبيعة المجتمع الصالح لا تسمح للشر والمنكر أن يصبحا عرفا مصطلحا عليه ؛ وأن يصبحا سهلا يجترئ عليه كل من يهم به . . وعندما يصبح فعل الشر أصعب من فعل الخير في مجتمع من المجتمعات ؛ ويصبح الجزاء على الشر رادعا وجماعيا تقف الجماعة كلها دونه ؛ وتوقع العقوبة الرادعة عليه . . عندئذ ينزوي الشر ، وتنحسر دوافعه . وعندئذ يتماسك المجتمع فلا تنحل عراه . وعندئذ ينحصر الفساد في أفراد أو مجموعات يطاردها المجتمع ، ولا يسمح لها بالسيطرة ؛ وعندئذ لا تشيع الفاحشة . ولا تصبح هي الطابع العام ! والمنهج الإسلامي - بعرضه لهذه الظاهرة في المجتمع الإسرائيلي - في صورة الكراهية والتنديد ، يريد للجماعة المسلمة أن يكون لها كيان حي متجمع صلب ؛ يدفع كل بادرة من بوادر العدوان والمعصية . قبل أن تصبح ظاهرة عامة ؛ ويريد للمجتمع الإسلامي أن يكون صلبا في الحق ، وحساسا تجاه الاعتداء عليه ؛ ويريد للقائمين على الدين أن يؤدوا أمانتهم التي استحفظوا عليها ، فيقفوا في وجه الشر والفساد والطغيان والاعتداء . . ولا يخافوا لومة لائم . سواء جاء هذا الشر من الحكام المتسلطين بالحكم ؛ أو الأغنياء المتسلطين بالمال ؛ أو الأشرار المتسلطين بالأذي ؛ أو الجماهير المتسلطة بالهوى . فمنهج اللّه هو منهج اللّه ، والخارجون عليه علوا أم سفلوا سواء . والإسلام يشدد في الوفاء بهذه الأمانة ؛ فيجعل عقوبة الجماعة عامة بما يقع فيها من شر إذا هي سكتت عليه ؛ ويجعل الأمانة في عنق كل فرد ، بعد أن يضعها في عنق الجماعة عامة . روى الإمام أحمد - بإسناده - عن عبد اللّه بن مسعود ، قال : قال رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - : « لما وقعت بنو إسرائيل في المعاصي نهتهم علماؤهم فلم ينتهوا فجالسوهم في مجالسهم ، وواكلوهم وشاربوهم . فضرب اللّه بعضهم ببعض ، ولعنهم على لسان داود وعيسى بن مريم . . ( ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون ) . وكان الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - متكئا فجلس ، فقال : « ولا والذي نفسي بيده حتى تأطروهم على الحق أطرا » . وروى أبو داود - بإسناده - عن عبد اللّه بن مسعود قال : قال رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - « إن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل كان الرجل يلقى الرجل ، فيقول : يا هذا اتق اللّه ودع ما تصنع فإنه لا يحل لك . ثم يلقاه من الغد ، فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده . فلما فعلوا ذلك ضرب اللّه قلوب بعضهم ببعض » ، ثم قال : « لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم » - إلى قوله : « فاسقون » ثم قال : « كلا واللّه لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ، ولتأخذن على يد الظالم ، ولتأطرنه على الحق أطرا - أو تقصرنه على الحق قصرا - » فليس هو مجرد الأمر والنهي ، ثم تنتهي المسألة ، إنما هو الإصرار ، والمقاطعة ، والكف بالقوة عن الشر والفساد والمعصية والاعتداء . وروى مسلم - بإسناده - عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - « من رأى منكم منكرا فليغيره بيده ؛ فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه . . وذلك أضعف الإيمان » . وروى الإمام أحمد - بإسناده - عن عدي بن عميرة قال - سمعت رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - يقول : « إن اللّه لا يعذب العامة بعمل الخاصة ، حتى يروا المنكر بين ظهرانيهم - وهم قادرون على أن ينكروه - فلا ينكرونه . فإذا فعلوا عذب اللّه العامة والخاصة » .
في ظلال القرآن — صفحة 948 | سيد قطب