تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 949

مساهمون:

ص٩٤٩
وروى أبو داود والترمذي - بإسناده - عن أبي سعيد قال : قال رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - : « أفضل الجهاد كلمة حق عند إمام جائر » . . وتتوارد النصوص القرآنية والنبوية تترى في هذا المعنى ؛ لأن هذا التماسك في كيان الجماعة بحيث لا يقول أحد فيها - وهو يرى المنكر يقع من غيره - : وأنا ما لي ؟ ! وهذه الحمية ضد الفساد في المجتمع ، بحيث لا يقول أحد - وهو يرى الفساد يسري ويشيع - وما ذا أصنع والتعرض للفساد يلحق بي الأذى ؟ ! وهذه الغيرة على حرمات اللّه ، والشعور بالتكليف المباشر بصيانتها والدفع عنها للنجاة من اللّه . . هذا كله هو قوام الجماعة المسلمة الذي لا قيام لها إلا به . . وهذا كله في حاجة إلى الإيمان الصحيح باللّه ؛ ومعرفة تكاليف هذا الإيمان . وإلى الإدراك الصحيح لمنهج اللّه ؛ ومعرفة أنه يشمل كل جوانب الحياة . وإلى الجد في أخذ العقيدة بقوة ، والجهد لإقامة المنهج الذي ينبثق منها في حياة المجتمع كله . . فالمجتمع المسلم الذي يستمد قانونه من شريعة اللّه ؛ ويقيم حياته كلها على منهجه ؛ هو المجتمع الذي يسمح للمسلم أن يزاول حقيقة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ؛ بحيث لا يصبح هذا عملا فرديا ضائعا في الخضم ؛ أو يجعله غير ممكن أصلا في كثير من الأحيان ! كما هو الحال في المجتمعات الجاهلية القائمة اليوم في أرجاء الأرض ؛ والتي تقيم حياتها على تقاليد ومصطلحات اجتماعية تسترذل تدخل أحد في شأن أحد ؛ وتعتبر الفسق والفجور والمعصية « مسائل شخصية » ! ليس لأحد أن يتدخل في شأنها . . كما تجعل من الظلم والبطش والاعتداء والجور سيفا مصلتا من الإرهاب يلجم الأفواه ، ويعقد الألسنة ، وينكل بمن يقول كلمة حق أو معروف في وجه الطغيان . . إن الجهد الأصيل ، والتضحيات النبيلة يجب أن تتجه أولا إلى إقامة المجتمع الخير . . والمجتمع الخير هو الذي يقوم على منهج اللّه . . قبل أن ينصرف الجهد والبذل والتضحية إلى إصلاحات جزئية ، شخصية وفردية ؛ عن طريق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . إنه لا جدوى من المحاولات الجزئية حين يفسد المجتمع كله ؛ وحين تطغى الجاهلية ، وحين يقوم المجتمع على غير منهج اللّه ؛ وحين يتخذ له شريعة غير شريعة اللّه . فينبغي عندئذ أن تبدأ المحاولة من الأساس ، وأن تنبت من الجذور ؛ وأن يكون الجهد والجهاد لتقرير سلطان اللّه في الأرض . . وحين يستقر هذا السلطان يصبح الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر شيئا يرتكن إلى أساس . وهذا يحتاج إلى إيمان . وإلى إدراك لحقيقة هذا الإيمان ومجاله في نظام الحياة . فالإيمان على هذا المستوي هو الذي يجعل الاعتماد كله على اللّه ؛ والثقة كلها بنصرته للخير - مهما طال الطريق - واحتساب الأجر عنده ، فلا ينتظر من ينهض لهذه المهمة جزاء في هذه الأرض ، ولا تقديرا من المجتمع الضال ، ولا نصرة من أهل الجاهلية في أي مكان ! إن كل النصوص القرآنية والنبوية التي ورد فيها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كانت تتحدث عن واجب المسلم في مجتمع مسلم . مجتمع يعترف ابتداء بسلطان اللّه ، ويتحاكم إلى شريعته ، مهما وجد فيه من طغيان الحكم ، في بعض الأحيان ، ومن شيوع الإثم في بعض الأحيان . . وهكذا نجد في قول الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - : « أفضل الجهاد كلمة حق عند إمام جائر » . . فهو « إمام » ولا يكون إماما حتى يعترف ابتداء بسلطان اللّه ؛ وبتحكيم شريعته . فالذي لا يحكم شريعة اللّه لا يقال له : « إمام » إنما يقول عنه اللّه - سبحانه -
« وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ »
. .
في ظلال القرآن — صفحة 949 | سيد قطب