تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 903

مساهمون:

ص٩٠٣
وقد روي أن اليهود عرضوا على رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - أن يؤمنوا له إذا تصالح معهم على التسامح في أحكام بعينها منها حكم الرجم . وأن هذا التحذير قد نزل بخصوص هذا العرض . . ولكن الأمر - كما هو ظاهر - أعم من حالة بعينها وعرض بعينه . فهو أمر يعرض في مناسبات شتى ، ويتعرض له أصحاب هذه الشريعة في كل حين . . وقد شاء اللّه - سبحانه - أن يحسم في هذا الأمر ، وأن يقطع الطريق على الرغبة البشرية الخفية في التساهل مراعاة للاعتبارات والظروف ، وتأليفا للقلوب حين تختلف الرغبات والأهواء . فقال لنبيه : إن اللّه لو شاء لجعل الناس أمة واحدة ؛ ولكنه جعل لكل منهم طريقا ومنهاجا ؛ وجعلهم مبتلين مختبرين فيما آتاهم من الدين والشريعة ، وما آتاهم في الحياة كلها من عطايا . وأن كلا منهم يسلك طريقه ؛ ثم يرجعون كلهم إلى اللّه ، فينبئهم بالحقيقة ، ويحاسبهم على ما اتخذوا من منهج وطريق . . وأنه إذن لا يجوز أن يفكر في التساهل في شيء من الشريعة لتجميع المختلفين في المشارب والمناهج . . فهم لا يتجمعون :
« لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً . وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً . وَلكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ . فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ . إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً . فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ »
. بذلك أغلق اللّه - سبحانه - مداخل الشيطان كلها ؛ وبخاصة ما يبدو منها خيرا وتأليفا للقلوب وتجميعا للصفوف ؛ بالتساهل في شيء من شريعة اللّه ؛ في مقابل إرضاء الجميع ! أو في مقابل ما يسمونه وحدة الصفوف ! إن شريعة اللّه أبقى وأغلى من أن يضحى بجزء منها في مقابل شيء قدر اللّه ألا يكون ! فالناس قد خلقوا ولكل منهم استعداد ، ولكل منهم مشرب ، ولكل منهم منهج ، ولكل منهم طريق . ولحكمة من حكم اللّه خلقوا هكذا مختلفين . وقد عرض اللّه عليهم الهدى ؛ وتركهم يستبقون . وجعل هذا ابتلاء لهم يقوم عليه جزاؤهم يوم يرجعون إليه ، وهم إليه راجعون ؛ وإنها لتعلة باطلة إذن ، ومحاولة فاشلة ، أن يحاول أحد تجميعهم على حساب شريعة اللّه ، أو بتعبير آخر على حساب صلاح الحياة البشرية وفلاحها . فالعدول أو التعديل في شريعة اللّه لا يعني شيئا إلا الفساد في الأرض ، وإلا الانحراف عن المنهج الوحيد القويم ، وإلا انتفاء العدالة في حياة البشر ، وإلا عبودية الناس بعضهم لبعض ، واتخاذ بعضهم لبعض أربابا من دون اللّه . . وهو شر عظيم وفساد عظيم . . لا يجوز ارتكابه في محاولة عقيمة لا تكون ؛ لأنها غير ما قدره اللّه في طبيعة البشر ؛ ولأنها مضادة للحكمة التي من أجلها قدر ما قدر من اختلاف المناهج والمشارع ، والاتجاهات والمشارب . . وهو خالق وصاحب الأمر الأول فيهم والأخير . وإليه المرجع والمصير . . إن محاولة التساهل في شيء من شريعة اللّه ، لمثل هذا الغرض ، تبدو - في ظل هذا النص الصادق الذي يبدو مصداقه في واقع الحياة البشرية في كل ناحية - محاولة سخيفة ؛ لا مبرر لها من الواقع ؛ ولا سند لها من إرادة اللّه ؛ ولا قبول لها في حس المسلم ، الذي لا يحاول إلا تحقيق مشيئة اللّه . فكيف وبعض من يسمون أنفسهم « مسلمين » يقولون : إنه لا يجوز تطبيق الشريعة حتى لا نخسر « السائحين » ؟ ! ! ! أي واللّه هكذا يقولون ! ويعود السياق فيؤكد هذه الحقيقة ، ويزيدها وضوحا . فالنص الأول :
« فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِّ »
. . قد يعني النهي عن ترك شريعة اللّه كلها إلى أهوائهم ! فالآن يحذره من فتنتهم له عن بعض ما أنزل اللّه إليه :