تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 904

مساهمون:

ص٩٠٤
« وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ ، وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ ، وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ ما أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ »
. . فالتحذير هنا أشد وأدق ؛ وهو تصوير للأمر على حقيقته . . فهي فتنة يجب أن تحذر . . والأمر في هذا المجال لا يعدو أن يكون حكما بما أنزل اللّه كاملا ؛ أو أن يكون اتباعا للهوى وفتنة يحذر اللّه منها . ثم يستمر السياق في تتبع الهواجس والخواطر ؛ فيهون على رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - أمرهم إذا لم يعجبهم هذا الاستمساك الكامل بالصغيرة قبل الكبيرة في هذه الشريعة ، وإذا هم تولوا فلم يختاروا الإسلام دينا ؛ أو تولوا عن الاحتكام إلى شريعة اللّه ( في ذلك الأوان حيث كان هناك تخيير قبل أن يصبح هذا حتما في دار الإسلام ) :
« فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ . وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ لَفاسِقُونَ »
. فإن تولوا فلا عليك منهم ؛ ولا يفتنك هذا عن الاستمساك الكامل بحكم اللّه وشريعته . ولا تجعل إعراضهم يفت في عضدك أو يحولك عن موقفك . . فإنهم إنما يتولون ويعرضون لأن اللّه يريد أن يجزيهم على بعض ذنوبهم . فهم الذين سيصيبهم السوء بهذا الإعراض : لا أنت ولا شريعة اللّه ودينه ؛ ولا الصف المسلم المستمسك بدينه . . ثم إنها طبيعة البشر :
« وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ لَفاسِقُونَ »
فهم يخرجون وينحرفون . لأنهم هكذا ؛ ولا حيلة لك في هذا الأمر ، ولا ذنب للشريعة ! ولا سبيل لاستقامتهم على الطريق ! وبذلك يغلق كل منافذ الشيطان ومداخله إلى النفس المؤمنة ؛ ويأخذ الطريق على كل حجة وكل ذريعة لترك شيء من أحكام هذه الشريعة ؛ لغرض من الأغراض ؛ في ظرف من الظروف . . ثم يقفهم على مفرق الطريق . . فإنه إما حكم اللّه ، وإما حكم الجاهلية . ولا وسط بين الطرفين ولا بديل . . حكم اللّه يقوم في الأرض ، وشريعة اللّه تنفذ في حياة الناس ، ومنهج اللّه يقود حياة البشر . . أو أنه حكم الجاهلية ، وشريعة الهوى ، ومنهج العبودية . . فأيهما يريدون ؟
« أَ فَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ؟ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ؟ »
. . إن معنى الجاهلية يتحدد بهذا النص . فالجاهلية - كما يصفها اللّه ويحددها قرآنه - هي حكم البشر للبشر ، لأنها هي عبودية البشر للبشر ، والخروج من عبودية اللّه ، ورفض ألوهية اللّه ، والاعتراف في مقابل هذا الرفض بألوهية بعض البشر وبالعبودية لهم من دون اللّه . . إن الجاهلية - في ضوء هذا النص - ليست فترة من الزمان ؛ ولكنها وضع من الأوضاع . هذا الوضع يوجد بالأمس ، ويوجد اليوم ، ويوجد غدا ، فيأخذ صفة الجاهلية ، المقابلة للإسلام ، والمناقضة للإسلام . والناس - في أي زمان وفي أي مكان - إما أنهم يحكمون بشريعة اللّه - دون فتنة عن بعض منها - ويقبلونها ويسلمون بها تسليما ، فهم إذن في دين اللّه . وإما أنهم يحكمون بشريعة من صنع البشر - في أي صورة من الصور - ويقبلونها فهم إذن في جاهلية ؛ وهم في دين من يحكمون بشريعته ، وليسوا بحال في دين اللّه . والذي لا يبتغي حكم اللّه يبتغي حكم الجاهلية ؛ والذي يرفض شريعة اللّه يقبل شريعة الجاهلية ، ويعيش في الجاهلية . وهذا مفرق الطريق ، يقف اللّه الناس عليه . وهم بعد ذلك بالخيار ! ثم يسألهم سؤال استنكار لابتغائهم حكم الجاهلية ؛ وسؤال تقرير لأفضلية حكم اللّه .
« وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ؟ »
. .