تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 900

مساهمون:

ص٩٠٠
فقال معاوية : شأنك بصاحبك ! - وأبو الدرداء جالس - فقال أبو الدرداء : سمعت رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - يقول : « ما من مسلم يصاب بشيء من جسده فيتصدق به إلا رفعه اللّه به درجة ، أو حط به عنه خطيئة » . . فقال الأنصاري : « فإني قد عفوت » . . وهكذا رضيت نفس الرجل واستراحت بما لم ترض من مال معاوية الذي لوح له به للتعويض . . وتلك شريعة اللّه العليم بخلقه ؛ وبما يحيك في نفوسهم من مشاعر وخواطر ، وبما يتعمق قلوبهم ويرضيها ؛ ويسكب فيها الاطمئنان والسلام من الأحكام . وبعد عرض هذا الطرف من شريعة التوراة ، التي صارت طرفا من شريعة القرآن ، يعقب بالحكم العام :
« وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ »
. . والتعبير عام ، ليس هناك ما يخصصه ؛ ولكن الوصف الجديد هنا هو « الظالمون » . وهذا الوصف الجديد لا يعني أنها حالة أخرى غير التي سبق الوصف فيها بالكفر . وإنما يعني إضافة صفة أخرى لمن لم يحكم بما أنزل اللّه . فهو كافر باعتباره رافضا لألوهية اللّه - سبحانه - واختصاصه بالتشريع لعباده ، وبادعائه هو حق الألوهية بادعائه حق التشريع للناس . وهو ظالم بحمل الناس على شريعة غير شريعة ربهم ، الصالحة المصلحة لأحوالهم . فوق ظلمه لنفسه بإيرادها موارد التهلكة ، وتعريضها لعقاب الكفر . وبتعريض حياة الناس - وهو معهم - للفساد . وهذا ما يقتضيه اتحاد المسند إليه وفعل الشرط :
« وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ »
. . فجواب الشرط الثاني يضاف إلى جواب الشرط الأول ؛ ويعود كلاهما على المسند إليه في فعل الشرط وهو « من » المطلق العام . ثم يمضي السياق في بيان اطراد هذا الحكم العام فيما بعد التوراة .
« وَقَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ، مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ . وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدىً وَنُورٌ ، وَمُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ ، وَهُدىً وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ . وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ ، وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ »
. . فقد آتى اللّه عيسى بن مريم الإنجيل ، ليكون منهج حياة ، وشريعة حكم . . ولم يتضمن الإنجيل في ذاته تشريعا إلا تعديلات طفيفة في شريعة التوراة . وقد جاء مصدقا لما بين يديه من التوراة ، فاعتمد شريعتها - فيما عدا هذه التعديلات الطفيفة . . وجعل اللّه فيه هدى ونورا ، وهدى وموعظة . . ولكن لمن ؟ . . « للمتقين » . فالمتقون هم الذين يجدون في كتب اللّه الهدى والنور والموعظة ، هم الذين تتفتح قلوبهم لما في هذه الكتب من الهدى والنور ؛ وهم الذين تتفتح لهم هذه الكتب عما فيها من الهدى والنور . . أما القلوب الجاسية الغليظة الصلدة ، فلا تبلغ إليها الموعظة ؛ ولا تجد في الكلمات معانيها ؛ ولا تجد في التوجيهات روحها ؛ ولا تجد في العقيدة مذاقها ؛ ولا تنتفع من هذا الهدى ومن هذا النور بهداية ولا معرفة ولا تستجيب . . إن النور موجود ، ولكن لا تدركه إلا البصيرة المفتوحة ، وإن الهدى موجود ، ولكن لا تدركه إلا الروح المستشرفة ، وإن الموعظة موجودة ، ولكن لا يلتقطها إلا القلب الواعي . وقد جعل اللّه في الإنجيل هدى ونورا وموعظة للمتقين ، وجعله منهج حياة وشريعة حكم لأهل الإنجيل . . أي إنه خاص بهم ، فليس رسالة عامة للبشر - شأنه في هذا شأن التوراة وشأن كل كتاب وكل رسالة وكل