الملابسات والظروف ! وكيف ساغ له أن يظل يدعي الإسلام بعد هذا الترك الكلي لشريعة اللّه ! وكيف لا يزال الناس يسمون أنفسهم « مسلمين » ؟ ! وقد خلعوا ربقة الإسلام من رقابهم ، وهم يخلعون شريعة اللّه كلها ؛ ويرفضون الإقرار له بالألوهية ، في صورة رفضهم الإقرار بشريعته ، وبصلاحية هذه الشريعة في جميع الملابسات والظروف ، وبضرورة تطبيقها كلها في جميع الملابسات والظروف !
« وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ »
. .
يتمثل الحق في صدوره من جهة الألوهية ، وهي الجهة التي تملك حق تنزيل الشرائع ، وفرض القوانين . .
ويتمثل الحق في محتوياته ، وفي كل ما يعرض له من شؤون العقيدة والشريعة ، وفي كل ما يقصه من خبر ، وما يحمله من توجيه .
« مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ »
. .
فهو الصورة الأخيرة لدين اللّه ، وهو المرجع الأخير في هذا الشأن ، والمرجع الأخير في منهج الحياة وشرائع الناس ، ونظام حياتهم ، بلا تعديل بعد ذلك ولا تبديل .
ومن ثم فكل اختلاف يجب أن يرد إلى هذا الكتاب ليفصل فيه . سواء كان هذا الاختلاف في التصور الاعتقادي بين أصحاب الديانات السماوية ، أو في الشريعة التي جاء هذا الكتاب بصورتها الأخيرة . أو كان هذا الاختلاف بين المسلمين أنفسهم ، فالمرجع الذي يعودون إليه بآرائهم في شأن الحياة كله هو هذا الكتاب ، ولا قيمة لآراء الرجال ما لم يكن لها أصل تستند إليه من هذا المرجع الأخير .
وتترتب على هذه الحقيقة مقتضياتها المباشرة :
« فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ ، وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِّ »
. .
والأمر موجه ابتداء إلى رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - فيما كان فيه من أمر أهل الكتاب الذين يجيئون إليه متحاكمين . ولكنه ليس خاصا بهذا السبب ، بل هو عام . . وإلى آخر الزمان . . طالما أنه ليس هناك رسول جديد ، ولا رسالة جديدة ، لتعديل شيء ما في هذا المرجع الأخير ! لقد كمل هذا الدين ، وتمت به نعمة اللّه على المسلمين . ورضيه اللّه لهم منهج حياة للناس أجمعين . ولم يعد هنالك من سبيل لتعديل شيء فيه أو تبديله ، ولا لترك شيء من حكمه إلى حكم آخر ، ولا شيء من شريعته إلى شريعة أخرى . وقد علم اللّه حين رضيه للناس ، أنه يسع الناس جميعا . وعلم اللّه حين رضيه مرجعا أخيرا أنه يحقق الخير للناس جميعا . وأنه يسع حياة الناس جميعا ، إلى يوم الدين . وأي تعديل في هذا المنهج - ودعك من العدول عنه - هو إنكار لهذا المعلوم من الدين بالضرورة . يخرج صاحبه من هذا الدين . ولو قال باللسان ألف مرة : إنه من المسلمين ! وقد علم اللّه أن معاذير كثيرة يمكن أن تقوم وأن يبرر بها العدول عن شيء مما أنزل اللّه واتباع أهواء المحكومين المتحاكمين . . وأن هواجس قد تتسرب في ضرورة الحكم بما أنزل اللّه كله بلا عدول عن شيء فيه ، في بعض الملابسات والظروف . فحذر اللّه نبيه - صلى اللّه عليه وسلم - في هذه الآيات مرتين من اتباع أهواء المتحاكمين ، ومن فتنتهم له عن بعض ما أنزل اللّه إليه . .
وأولى هذه الهواجس : الرغبة البشرية الخفية في تأليف القلوب بين الطوائف المتعددة ، والاتجاهات والعقائد المتجمعة في بلد واحد . ومسايرة بعض رغباتهم عندما تصطدم ببعض أحكام الشريعة ، والميل إلى التساهل في الأمور الطفيفة ، أو التي يبدو أنها ليست من أساسيات الشريعة !