تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 835

مساهمون:

ص٨٣٥
« يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ »
. . إنه لا بد من ضوابط للحياة . . حياة المرء مع نفسه التي بين جنبيه ؛ وحياته مع غيره من الناس ومن الأحياء والأشياء عامة . . الناس من الأقربين والأبعدين ، من الأهل والعشيرة ، ومن الجماعة والأمة ؛ ومن الأصدقاء والأعداء . . والأحياء مما سخر اللّه للإنسان ومما لم يسخر . . والأشياء مما يحيط بالإنسان في هذا الكون العريض . . ثم . . حياته مع ربه ومولاه وعلاقته به وهي أساس كل حياة . والإسلام يقيم هذه الضوابط في حياة الناس . يقيمها ويحددها بدقة ووضوح ؛ ويربطها كلها باللّه سبحانه ؛ ويكفل لها الاحترام الواجب ، فلا تنتهك ، ولا يستهزأ بها ؛ ولا يكون الأمر فيها للأهواء والشهوات المتقلبة ؛ ولا للمصالح العارضة التي يراها فرد ، أو تراها مجموعة أو تراها أمة ، أو يراها جيل من الناس فيحطمون في سبيلها تلك الضوابط . . فهذه الضوابط التي أقامها اللّه وحددها هي « المصلحة » ما دام أن اللّه هو الذي أقامها للناس . . هي المصلحة ولو رأى فرد ، أو رأت مجموعة أو رأت أمة من الناس أو جيل أن المصلحة غيرها ! فاللّه يعلم والناس لا يعلمون ! وما يقرره اللّه خير لهم مما يقررون ! وأدنى مراتب الأدب مع اللّه - سبحانه - أن يتهم الإنسان تقديره الذاتي للمصلحة أمام تقدير اللّه . أما حقيقة الأدب فهي ألا يكون له تقدير إلا ما قدر اللّه . وألا يكون له مع تقدير اللّه ، إلا الطاعة والقبول والاستسلام ، مع الرضى والثقة والاطمئنان . . هذه الضوابط يسميها اللّه « العقود » . . ويأمر الذين آمنوا به أن يوفوا بهذه العقود . . وافتتاح هذه السورة بالأمر بالوفاء بالعقود ، ثم المضي بعد هذا الافتتاح في بيان الحلال والحرام من الذبائح والمطاعم والمشارب والمناكح . وفي بيان الكثير من الأحكام الشرعية والتعبدية . وفي بيان حقيقة العقيدة الصحيحة . وفي بيان حقيقة العبودية وحقيقة الألوهية . وفي بيان علاقات الأمة المؤمنة بشتى الأمم والملل والنحل . وفي بيان تكاليف الأمة المؤمنة في القيام للّه والشهادة بالقسط والوصاية على البشرية بكتابها المهيمن على كل الكتب قبلها ، والحكم فيها بما أنزل اللّه كله ؛ والحذر من الفتنة عن بعض ما أنزل اللّه ؛ والحذر من عدم العدل تأثرا بالمشاعر الشخصية والمودة والشنآن . . افتتاح السورة على هذا النحو ، والمضي فيها على هذا النهج يعطي كلمة « العقود » معنى أوسع من المعنى الذي يتبادر إلى الذهن لأول وهلة . ويكشف عن أن المقصود بالعقود هو كل ضوابط الحياة التي قررها اللّه . .