وفي أولها عقد الإيمان باللّه ؛ ومعرفة حقيقة ألوهيته سبحانه ، ومقتضى العبودية لألوهيته . . هذا العقد الذي تنبثق منه ، وتقوم عليه سائر العقود ؛ وسائر الضوابط في الحياة .
وعقد الإيمان باللّه ؛ والاعتراف بألوهيته وربوبيته وقوامته ؛ ومقتضيات هذا الاعتراف من العبودية الكاملة ، والالتزام الشامل والطاعة المطلقة والاستسلام العميق . . هذا العقد أخذه اللّه ابتداء على آدم - عليه السلام - وهو يسلمه مقاليد الخلافة في الأرض ، بشرط وعقد هذا نصه القرآني :
« قُلْنَا : اهْبِطُوا مِنْها جَمِيعاً . فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً ، فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ . وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ »
. . فهي خلافة مشروطة باتباع هدى اللّه الذي ينزله في كتبه على رسله ؛ وإلا فهي المخالفة لعقد الخلافة والتمليك . المخالفة التي تجعل كل عمل مخالف لما أنزل اللّه ، باطلا بطلانا أصليا ، غير قابل للتصحيح المستأنف ! وتحتم على كل مؤمن باللّه ، يريد الوفاء بعقد اللّه ، أن يرد هذا الباطل ، ولا يعترف به ؛ ولا يقبل التعامل على أساسه . وإلا فما أوفى بعقد اللّه .
ولقد تكرر هذا العقد - أو هذا العهد - مع ذرية آدم . وهم بعد في ظهور آبائهم . كما ورد في السورة الأخرى :
« وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ ، وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ : أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ ؟ قالُوا : بَلى شَهِدْنا ! أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ . أَوْ تَقُولُوا : إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ . أَ فَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ ؟ »
. . فهذا عقد آخر مع كل فرد ؛ عقد يقرر اللّه - سبحانه - أنه أخذه على بني آدم كلهم وهم في ظهور آبائهم . . وليس لنا أن نسأل : كيف ؟ لأن اللّه أعلم بخلقه ؛ وأعلم كيف يخاطبهم في كل طور من أطوار حياتهم . بما يلزمهم الحجة . وهو يقول : إنه أخذ عليهم هذا العهد ، على ربوبيته لهم . . فلا بد أن ذلك كان ، كما قال اللّه سبحانه . . فإذا لم يفوا بتعاقدهم هذا مع ربهم لم يكونوا أوفياء ! ولقد أخذ اللّه ميثاق بني إسرائيل - كما سيجيء في السورة - يوم نتق الجبل فوقهم كأنه ظلة وظنوا أنه واقع بهم . . وسنعلم - من السياق - كيف لم يفوا بالميثاق ؛ وكيف نالهم من اللّه ما ينال كل من ينقض الميثاق .
والذين آمنوا بمحمد - صلى اللّه عليه وسلم - قد تعاقدوا مع اللّه - على يديه - تعاقدا عاما على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا ، وأثرة علينا ، وألا ننازع الأمر أهله » .
وبعضهم وقعت له بعد ذلك عقود خاصة قائمة على ذلك التعاقد العام . . ففي بيعة العقبة الثانية التي ترتبت عليها هجرة الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - من مكة إلى المدينة ، كان هناك عقد مع نقباء الأنصار . . وفي الحديبية كان هناك عقد الشجرة وهو « بيعة الرضوان » .
وعلى عقد الإيمان باللّه ، والعبودية للّه ، تقوم سائر العقود . . سواء ما يختص منها بكل أمر وكل نهي في شريعة اللّه ، وما يتعلق بكل المعاملات مع الناس والأحياء والأشياء في هذا الكون في حدود ما شرع اللّه - فكلها عقود ينادي اللّه الذين آمنوا ، بصفتهم هذه ، أن يوفوا بها . إذ أن صفة الإيمان ملزمة لهم بهذا الوفاء ، مستحثة لهم كذلك على الوفاء . . ومن ثم كان هذا النداء :
« يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ »
. .
ثم يأخذ في تفصيل بعض هذه العقود :
« يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ . . أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ - إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ - غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ . إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ ما يُرِيدُ . . يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ ، وَلَا الشَّهْرَ الْحَرامَ ، وَلَا الْهَدْيَ ، وَلَا الْقَلائِدَ ، وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْواناً . وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا ، وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أَنْ تَعْتَدُوا . وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى . وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ .