في روايات كثيرة أن هذه السورة نزلت بعد سورة الفتح . . وسورة الفتح معروف أنها نزلت في الحديبية في العام السادس من الهجرة . . وفي بعض هذه الروايات أنها نزلت مرة واحدة فيما عدا الآية الثالثة ، التي فيها :
« الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ . . . »
فإنها نزلت في حجة الوداع في السنة العاشرة . .
ولكن المراجعة الموضوعية للسورة مع أحداث السيرة تكاد تنفي هذه الرواية التي تقول : إن السورة نزلت بكاملها بعد « الفتح » ؛ فضلا على أن هناك حادثة من حوادث السيرة في غزوة بدر ، تقطع بأن الآيات الخاصة بموقف بني إسرائيل مع موسى - عليه السلام - من دخول الأرض المقدسة ، كانت معروفة للمسلمين قبل غزوة بدر في السنة الثانية الهجرية . وقد وردت إشارة إليها على لسان سعد بن معاذ الأنصاري - رضي اللّه عنه - في رواية ، وعلى لسان المقداد بن عمرو في رواية ، وهو يقول لرسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - : « إذن واللّه لا نقول لك يا رسول اللّه كما قال قوم موسى لموسى :
« فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ . . »
ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما متبعون . . . إلخ » . .
أما المراجعة الموضوعية فتصور الموقف بأنه كانت لليهود - في ذلك الوقت الذي نزلت فيه الآيات الخاصة بهم - قوة ونفوذ وعمل في المدينة ، وفي الصف المسلم ؛ مما اقتضى هذه الحملة لكشف موقفهم وإبطال كيدهم .
وهذه القوة وهذا النفوذ كانا قد تضاء لا بعد وقعة بني قريظة ، عقب غزوة الخندق ، وقد تطهرت الأرض من القبائل الثلاث اليهودية القوية : بني قينقاع ، وبني النضير وبني قريظة . فلم يكن لهم بعد الحديبية ما يدعو إلى العناية بشأنهم إلى هذا الحد . ثم لقد كانت فترة المهادنة معهم والخطة السلمية قد انتهت ولم يعد لها موضع بعد الذي بدا منهم . فقول اللّه تعالى لنبيه الكريم :
« وَلا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنْهُمْ - إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ - فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ . . »
لا بد سابق على هذه الفترة . وكذلك أمره بالحكم بينهم أو الإعراض عنهم . .
ومن هذه الملاحظات يترجح لدينا أن مطالع السورة وبعض مقاطعها هي التي نزلت بعد سورة الفتح ؛ بينما نزلت مقاطع منها قبل ذلك ، كما أن الآية التي فيها قول اللّه تعالى :
« الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ »
لا بد أن تكون قد نزلت بعد ذلك . فقد كانت آخر ما نزل من القرآن على أرجح الأقوال . وأن السورة لم تنزل كلها مرة واحدة كما جاء في إحدى الروايات .
وكما قلنا من قبل في تقديم سورة البقرة « 1 » ، وتقديم سورة آل عمران « 2 » ، وتقديم سورة النساء « 3 » ، نقول هنا عن المعركة التي كان القرآن يخوضها ، بالجماعة المسلمة ، مع أعداء هذه الجماعة ، وأعداء دينها ، وفي مقدمتهم اليهود والمشركون والمنافقون ، وذلك مع بناء التصور الإسلامي في نفوس المؤمنين ؛ ومع تنظيم المجتمع الإسلامي بالتوجيهات والتشريعات . . كل ذلك في وقت واحد ؛ وفي منهج واحد ؛ وفي نفس واحد ! وأهم قواعد البناء : تخليص عقيدة التوحيد من كل غبش . وبيان معنى « الدين » وأنه هو منهج الحياة ؛ وأن الحكم بما أنزل اللّه وحده ، والتلقي في شؤون الحياة كلها من اللّه وحده هو الإيمان ، وهو الإسلام ؛ وبغير هذا لا يكون هناك توحيد للّه . فتوحيد اللّه هو إفراده - سبحانه - بالألوهية ؛ وبخصائص الألوهية بحيث لا يكون له فيها شريك . والحاكمية والتشريع للناس من خصائص الألوهية ، كتعبيدهم بالعبادة الشعائرية سواء بسواء . . وهذه السورة أشد تركيزا على هذه النقطة كما أسلفنا . .
هامش
( 1 ) ص 31 - 33 من الجزء الأول .
( 2 ) ص 350 - 359 من الجزء الثالث .
( 3 ) ص 554 - 571 من الجزء الرابع .