تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 837

مساهمون:

ص٨٣٧
وَاتَّقُوا اللَّهَ . إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ . حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ ، وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ ، وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ ، وَالْمُنْخَنِقَةُ ، وَالْمَوْقُوذَةُ ، وَالْمُتَرَدِّيَةُ ، وَالنَّطِيحَةُ ، وَما أَكَلَ السَّبُعُ - إِلَّا ما ذَكَّيْتُمْ - وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ ، وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ . ذلِكُمْ فِسْقٌ . . الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ ، فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ . . الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ، وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي ، وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً . . فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ - غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ - فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ »
. . إن هذا التحريم والتحليل في الذبائح ، وفي الأنواع ، وفي الأماكن ، وفي الأوقات . . إن هذا كله من « العقود » . . وهي عقود قائمة على عقد الإيمان ابتداء . فالذين آمنوا يقتضيهم عقد الإيمان أن يتلقوا التحريم والتحليل من اللّه وحده ؛ ولا يتلقوا في هذا شيئا من غيره . . ومن ثم نودوا هذا النداء ، في مطلع هذا البيان . . وأخذ بعده في بيان الحلال والحرام :
« أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ - إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ - »
. . وبمقتضي هذا الإحلال من اللّه ؛ وبمقتضى إذنه هذا وشرعه - لا من أي مصدر آخر ولا استمدادا من أي أصل آخر - صار حلالا لكم ومباحا أن تأكلوا من كل ما يدخل تحت مدلول
« بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ »
من الذبائح والصيد - إلا ما يتلى عليكم تحريمه منها - وهو الذي سيرد ذكره محرما . . إما حرمة وقتية أو مكانية ؛ وإما حرمة مطلقة في أي مكان وفي أي زمان . وبهيمة الأنعام تشمل الإبل والبقر والغنم ؛ ويضاف إليها الوحشي منها ، كالبقر الوحشي ، والحمر الوحشية والظباء . ثم يأخذ في الاستثناء من هذا العموم . . وأول المستثنيات الصيد في حال الإحرام :
« غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ »
. . والتحريم هنا ينطبق ابتداء على عملية الصيد ذاتها . فالإحرام للحج أو للعمرة ، تجرد عن أسباب الحياة العادية وأساليبها المألوفة وتوجه إلى اللّه في بيته الحرام ، الذي جعله اللّه مثابة الأمان . . ومن ثم ينبغي عنده الكف عن بسط الأكف إلى أي حي من الأحياء . . وهي فترة نفيسة ضرورية للنفس البشرية ؛ تستشعر فيها صلة الحياة بين جميع الأحياء في واهب الحياة ؛ وتأمن فيها وتؤمن كذلك من كل اعتداء ؛ وتتخفف من ضرورات المعاش التي أحل من أجلها صيد الطير والحيوان وأكله ؛ لترتفع في هذه الفترة على مألوف الحياة وأساليبها ، وتتطلع إلى هذا الأفق الرفاف الوضيء . وقبل أن يمضي السياق في بيان المستثنيات من حكم الحل العام ، يربط هذا العقد بالعقد الأكبر ، ويذكر الذين آمنوا بمصدر ذلك الميثاق :
« إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ ما يُرِيدُ »
. . طليقة مشيئته ، حاكمة إرادته ، متفردا - سبحانه - بالحكم وفق ما يريد . ليس هنالك من يريد معه ؛ وليس هنالك من يحكم بعده ؛ ولا راد لما يحكم به . . وهذا هو حكمه في حل ما يشاء وحرمة ما يشاء . . ثم يستأنف نداء الذين آمنوا لينهاهم عن استحلال حرمات اللّه :
« يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ . وَلَا الشَّهْرَ الْحَرامَ . وَلَا الْهَدْيَ . وَلَا الْقَلائِدَ . وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْواناً . وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا . . »
. وأقرب ما يتجه إليه الذهن في معنى « شعائر اللّه » في هذا المقام أنها شعائر الحج والعمرة وما تتضمنه من محرمات على المحرم للحج أو العمرة حتى ينتهي حجه بنحر الهدي الذي ساقه إلى البيت الحرام ؛ فلا يستحلها المحرم في فترة إحرامه ؛ لأن استحلالها فيه استهانة بحرمة اللّه الذي شرع هذه الشعائر . وقد نسبها السياق
في ظلال القرآن — صفحة 837 | سيد قطب