وهكذا يتكرر مدلول هذا التعقيب لتوكيده وتقريره . . فهذه الفرائض
« وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ »
صادرة منه ؛ ومردها إليه . لا تنبع من هوى ، ولا تتبع الهوى . صادرة عن علم . . فهي واجبة الطاعة لأنها صادرة من المصدر الوحيد الذي له حق التشريع والتوزيع . وهي واجبة القبول لأنها صادرة من المصدر الوحيد الذي عنده العلم الأكيد .
* * * 13 - 14 - توكيد بعد توكيد للقاعدة الأساسية في هذه العقيدة . قاعدة التلقي من اللّه وحده ، وإلا فهو الكفر والعصيان والخروج من هذا الدين .
وهذا ما تقرره الآيتان التاليتان في السورة تعقيبا نهائيا على تلك الوصايا والفرائض . حيث يسميها اللّه بالحدود :
« تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ . وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها . وَذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ . وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ ناراً خالِداً فِيها ، وَلَهُ عَذابٌ مُهِينٌ »
. .
تلك الفرائض ، وتلك التشريعات ، التي شرعها اللّه لتقسيم التركات ، وفق علمه وحكمته ، ولتنظيم العلاقات العائلية في الأسرة ، والعلاقات الاقتصادية والاجتماعية في المجتمع . .
« تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ »
. . حدود اللّه التي أقامها لتكون هي الفيصل في تلك العلاقات ، ولتكون هي الحكم في التوزيع والتقسيم .
ويترتب على طاعة اللّه ورسوله فيها الجنة والخلود والفوز العظيم . كما يترتب على تعديها وعصيان اللّه ورسوله فيها النار والخلود والعذاب المهين . .
لما ذا ؟ لما ذا تترتب كل هذه النتائج الضخمة على طاعة أو معصية في تشريع جزئي كتشريع الميراث ؛ وفي جزئية من هذا التشريع ، وحد من حدوده ؟
إن الآثار تبدو أضخم من الفعل . . لمن لا يعرف حقيقة هذا الأمر وأصله العميق . .
إن هذا الأمر تتولى بيانه نصوص كثيرة في السورة ستجيء . وقد أشرنا إليها في مقدمة التعريف بهذه السورة - وهي النصوص التي تبين معنى الدين ، وشرط الإيمان ، وحد الإسلام . ولكن لا بأس أن نستعجل بيان هذا الأمر - على وجه الإجمال - بمناسبة هاتين الآيتين الخطيرتين ، في هذا التعقيب على آيتي المواريث :
إن الأمر في هذا الدين - الإسلام - بل في دين اللّه كله منذ أن أرسل رسله للناس منذ فجر التاريخ . . إن الأمر في دين اللّه كله هو : لمن الألوهية في هذه الأرض ؟ ولمن الربوبية على هؤلاء الناس ؟
وعلى الإجابة عن هذا السؤال في صيغتيه هاتين ، يترتب كل شيء في أمر هذا الدين . وكل شيء في أمر الناس أجمعين ! لمن الألوهية ؟ ولمن الربوبية ؟
للّه وحده - بلا شريك من خلقه - فهو الإيمان إذن ، وهو الإسلام ، وهو الدين .
لشركاء من خلقه معه ، أو لشركاء من خلقه دونه ، فهو الشرك إذن أو الكفر المبين .
فأما إن تكن الألوهية والربوبية للّه وحده ، فهي الدينونة من العباد للّه وحده . وهي العبودية من الناس للّه وحده . وهي الطاعة من البشر للّه وحده ، وهي الاتباع لمنهج اللّه وحده بلا شريك . . فاللّه وحده هو الذي يختار للناس منهج حياتهم . واللّه وحده هو الذي يسن للناس شرائعهم . واللّه وحده هو الذي يضع للناس موازينهم وقيمهم وأوضاع حياتهم وأنظمة مجتمعاتهم . . وليس لغيره - أفرادا أو جماعات - شيء من هذا الحق إلا