تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 593

مساهمون:

ص٥٩٣
« آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً . فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ . إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً »
. . واللمسة الأولى لفتة قرآنية لتطييب النفوس تجاه هذه الفرائض . فهنالك من تدفعهم عاطفتهم الأبوية إلى إيثار الأبناء على الآباء ، لأن الضعف الفطري تجاه الأبناء أكبر . وفيهم من يغالب هذا الضعف بالمشاعر الأدبية والأخلاقية فيميل إلى إيثار الآباء . وفيهم من يحتار ويتأرجح بين الضعف الفطري والشعور الأدبي . . كذلك قد تفرض البيئة بمنطقها العرفي اتجاهات معينة كتلك التي واجه بها بعضهم تشريع الإرث يوم نزل ، وقد أشرنا إلى بعضها من قبل . . فأراد اللّه سبحانه أن يسكب في القلوب كلها راحة الرضى والتسليم لأمر اللّه ، ولما يفرضه اللّه ؛ بإشعارها أن العلم كله للّه ؛ وأنهم لا يدرون أي الأقرباء أقرب لهم نفعا ، ولا أي القسم أقرب لهم مصلحة :
« آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً »
. . واللمسة الثانية لتقرير أصل القضية . فالمسألة ليست مسألة هوى أو مصلحة قريبة . إنما هي مسألة الدين ومسألة الشريعة :
« فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ »
. . فاللّه هو الذي خلق الآباء والأبناء . واللّه هو الذي أعطى الأرزاق والأموال . واللّه هو الذي يفرض ، وهو الذي يقسم ، وهو الذي يشرع . وليس للبشر أن يشرعوا لأنفسهم ، ولا أن يحكموا هواهم ، كما أنهم لا يعرفون مصلحتهم !
« إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً »
. . وهي اللمسة الثالثة في هذا التعقيب . تجيء لتشعر القلوب بأن قضاء اللّه للناس - مع أنه هو الأصل الذي لا يحل لهم غيره - فهو كذلك المصلحة المبنية على العلم والحكمة . فاللّه يحكم لأنه عليم - وهم لا يعلمون - واللّه يفرض لأنه حكيم - وهم يتبعون الهوى . وهكذا تتوالى هذه التعقيبات قبل الانتهاء من أحكام الميراث ، لرد الأمر إلى محوره الأصيل . محوره الاعتقادي . الذي يحدد معنى « الدين » فهو الاحتكام إلى اللّه . وتلقي الفرائض منه . والرضى بحكمه :
« فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ . إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً »
. . 12 - ثم يمضي يبين بقية الفرائض :
« وَلَكُمْ نِصْفُ ما تَرَكَ أَزْواجُكُمْ - إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ - فَإِنْ كانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ - مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِها أَوْ دَيْنٍ . وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ - إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ - فَإِنْ كانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ - مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِها أَوْ دَيْنٍ - »
. . والنصوص واضحة ودقيقة فللزوج نصف تركة الزوجة إذا ماتت وليس لها ولد - ذكرا أو أنثى - فأما إذا كان لها ولد - ذكرا أو أنثى ، واحدا أو أكثر - فللزوج ربع التركة . وأولاد البنين للزوجة يحجبون الزوج من النصف إلى الربع كأولادها . وأولادها من زوج آخر يحجبون الزوج كذلك من النصف إلى الربع . . وتقسم التركة بعد الوفاء بالدين ثم الوصية . كما سبق . والزوجة ترث ربع تركة الزوج - إن مات عنها بلا ولد - فإن كان له ولد - ذكرا أو أنثى . واحدا أو متعددا . منها أو من غيرها . وكذلك أبناء ابن الصلب - فإن هذا يحجبها من الربع إلى الثمن . . والوفاء بالدين ثم الوصية مقدم في التركة على الورثة . .
في ظلال القرآن — صفحة 593 | سيد قطب