تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 591

مساهمون:

ص٥٩١
للبنت نصيبا واحدا ، وللذكر نصيبين اثنين . وليس الأمر في هذا أمر محاباة لجنس على حساب جنس . إنما الأمر أمر توازن وعدل ، بين أعباء الذكر وأعباء الأنثى في التكوين العائلي ، وفي النظام الاجتماعي الإسلامي : فالرجل يتزوج امرأة ، ويكلف إعالتها وإعالة أبنائها منه في كل حالة ، وهي معه ، وهي مطلقة منه . . أما هي فإما أن تقوم بنفسها فقط ، وإما أن يقوم بها رجل قبل الزواج وبعده سواء . وليست مكلفة نفقة للزوج ولا للأبناء في أي حال . . فالرجل مكلف - على الأقل - ضعف أعباء المرأة في التكوين العائلي ، وفي النظام الاجتماعي الإسلامي . ومن ثم يبدو العدل كما يبدو التناسق بين الغنم والغرم في هذا التوزيع الحكيم . ويبدو كل كلام في هذا التوزيع جهالة من ناحية وسوء أدب مع اللّه من ناحية أخرى ، وزعزعة للنظام الاجتماعي والأسريّ لا تستقيم معها حياة . ويبدأ التقسيم بتوريث الفروع عن الأصول :
« فَإِنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ ، وَإِنْ كانَتْ واحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ »
. فإذا لم يكن له ذرية ذكور ، وله بنتان أو أكثر فلهن الثلثان . فإن كان له بنت واحدة فلها النصف . . ثم ترجع بقية التركة إلى أقرب عاصب له : الأب أو الجد . أو الأخ الشقيق . أو الأخ لأب . أو العم . أو أبناء الأصول . . والنص يقول :
« فَإِنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ »
. . وهذا يثبت الثلثين للبنات - إذا كن فوق اثنتين - أما إثبات الثلثين للبنتين فقط فقد جاء من السنة ومن القياس على الأختين في الآية التي في آخر السورة . فأما السنة فقد روى أبو داود والترمذي وابن ماجة من طرق عن عبد اللّه بن محمد بن عقيل بن جابر . قال : ( جاءت امرأة سعد بن الربيع ، إلى رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - فقالت : يا رسول اللّه ، هاتان ابنتا سعد بن الربيع ، قتل أبوهما معك في يوم أحد شهيدا ؛ وإن عمهما أخذ مالهما فلم يدع لهما مالا ؛ ولا ينكحان إلا ولهما مال . قال : فقال : « يقضي اللّه في ذلك » فنزلت آية الميراث . فأرسل رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - إلى عمهما ، فقال : « أعط ابنتي سعد الثلثين ، وأمهما الثمن ، وما بقي فهو لك » ) . . فهذه قسمة رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - للبنتين بالثلثين . فدل هذا على أن البنتين فأكثر ، لهما الثلثان في هذه الحالة . وهناك أصل آخر لهذه القسمة ؛ وهو أنه لما ورد في الآية الأخرى عن الأختين :
« فَإِنْ كانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثانِ مِمَّا تَرَكَ »
. . كان إعطاء البنتين الثلثين من باب الأولى ، قياسا على الأختين . وقد سويت البنت الواحدة بالأخت الواحدة كذلك في هذه الحالة . وبعد الانتهاء من بيان نصيب الذرية يجيء بيان نصيب الأبوين - عند وجودهما - في الحالات المختلفة . مع وجود الذرية ومع عدم وجودها :
« وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ - إِنْ كانَ لَهُ وَلَدٌ - فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَواهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ . فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ »
. . والأبوان لهما في الإرث أحوال : الحال الأول : أن يجتمعا مع الأولاد ، فيفرض لكل واحد منهما السدس والبقية للولد الذكر أو للولد الذكر مع أخته الأنثى أو أخواته : للذكر مثل حظ الأنثيين . فإذا لم يكن للميت إلا بنت واحدة فرض لها
في ظلال القرآن — صفحة 591 | سيد قطب