وسلم - عند مقدمه إلى المدينة ، وقيام الدولة المسلمة برئاسته مرتكنة إلى المسلمين من الأوس والخزرج . . ولكن كان بقي من حوله : بنو النضير ، وبنو قريظة ، وغيرهم من يهود خيبر وسواهم في الجزيرة . . وكلهم يتراسلون ويتجمعون ، ويتصلون بالمنافقين في المدينة ، وبالمشركين في مكة وفيما حول المدينة ، ويكيدون للمسلمين كيدا لا ينقطع ولا يكف .
وقد ورد في أوائل سورة آل عمران تحذير لليهود أن يصيبهم على أيدي المسلمين ما أصاب المشركين :
« قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهادُ . قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتا . فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرى كافِرَةٌ ، يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ ، وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ »
. . فلما أبلغهم رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - هذا التحذير - الذي جاء ردا على أفاعيلهم وما بدا منهم من الغيظ والدس والكيد عقب بدر - أساءوا أدبهم في استقباله ؛ وقالوا : يا محمد . لا يغرنك من نفسك أن قتلت نفرا من قريش كانوا أغمارا لا يعرفون القتال . إنك واللّه لو قاتلتنا لعرفت أنا نحن الناس ، وإنك لم تلق مثلنا . ثم مضوا في دسهم وكيدهم ، الذي روت هذه السورة منه ألوانا شتى ، حتى انتهى أمرهم بنقض ما بينهم وبين النبي - صلى اللّه عليه وسلم - من العهد . فحاصرهم النبي - صلى اللّه عليه وسلم - حتى نزلوا على حكمه ، فأجلاهم عن المدينة إلى أذرعات . . وبقيت الطائفتان الأخريان : بنو قريظة وبنو النضير بالمدينة على عهدهما - في الظاهر - مع الكيد والدس والتلبيس والتضليل والبلبلة والفتنة . . وسائر ما برعت فيه يهود في تاريخها كله ، وسجله عليها السجل الصادق - كتاب اللّه - وتعارفه أهل الأرض كلهم ، عن ذلك الجنس الملعون ! وفي هذا الدرس استعراض لبعض أفاعيل يهود وأقاويلها . يبدو فيه سوء الأدب مع اللّه - سبحانه - بعد سوء الفعل مع المسلمين . وهم يبخلون بالوفاء بتعهداتهم المالية للرسول - صلى اللّه عليه وسلم - ثم يزيدون فيقولون :
« إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ »
! ويبدو فيه التعلل الواهي ، الذي يدفعون به دعوة الإسلام الموجهة إليهم ؛ وكذب هذا التعلل ، ومخالفته لواقعهم التاريخي المعروف . هذا الواقع الذي ينضح بمخالفتهم لعهد اللّه معهم ، وبكتمانهم لما أمرهم اللّه ببيانه من الحق ، ونبذه وراء ظهورهم ، وشرائهم به ثمنا قليلا . وبقتلهم أنبياءهم بغير حق ، وقد جاءوهم بالخوارق التي طلبوها ، وجاءوهم بالبينات فرفضوها .
وهذا الكشف المخجل لأفاعيل اليهود مع أنبيائهم ، وأقاويلهم على ربهم ، كان هو الأمر الذي يقتضيه سوء موقفهم من الجماعة المسلمة ، وتأثير كيدهم ودسهم وإيذائهم - هم والمشركون - للمسلمين . كما كانت تقتضيه تربية اللّه للجماعة المسلمة تربية واعية ؛ تبصرهم بما حولهم ، وبمن حولهم ؛ وتعرفهم طبيعة الأرض التي يعملون فيها ، وطبيعة العقبات والفخاخ المنصوبة لهم ، وطبيعة الآلام والتضحيات المرصودة لهم في الطريق . .
وقد كان الكيد اليهودي للجماعة المسلمة في المدينة أقسى وأخطر من عداوة المشركين لهم في مكة . ولعله ما يزال أخطر ما يرصد للجماعات المسلمة في كل مكان ، على مدار التاريخ . .
ومن ثم نجد التوجيهات الربانية تتوالى على المسلمين في ثنايا الاستعراض المثير . . نجد توجيههم إلى حقيقة القيم الباقية والقيم الزائلة . فالحياة في هذه الأرض محدودة بأجل . وكل نفس ذائقة الموت على كل حال . إنما الجزاء هناك ، والكسب والخسارة هناك .
« فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ . وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ »
. . وهم مبتلون في أموالهم وأنفسهم ، والأذى سينالهم من أعدائهم المشركين وأهل الكتاب . فلا