والنص القرآني ينهاهم عن هذا الحسبان الكاذب ؛ ويقرر أن ما كنزوه سيطوقونه يوم القيامة نارا . . وهو تهديد مفزع . . والتعبير يزيد هذا البخل شناعة حين يذكر أنهم
« يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ »
. . فهم لا يبخلون بمال أصيل لهم . فقد جاءوا إلى هذه الحياة لا يملكون شيئا . . ولا جلودهم . . ! فآتاهم اللّه من فضله فأغناهم . حتى إذا طلب إليهم أن ينفقوا
« مِنْ فَضْلِهِ »
شيئا لم يذكروا فضل اللّه عليهم . وبخلوا بالقليل ، وحسبوا أن في كنزه خيرا لهم . وهو شر فظيع . وهم - بعد هذا كله - ذاهبون وتاركوه وراءهم . فاللّه هو الوارث :
« وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ »
. . فهذا الكنز إلى أمد قصير . ثم يعود كله إلى اللّه . ولا يبقى لهم منه إلا القدر الذي أنفقوه ابتغاء مرضاته ، فيبقى مدخرا لهم عنده ، بدلا من أن يطوقهم إياه يوم القيامة ! 181 - ثم يندد باليهود الذين وجدوا في أيديهم المال - الذي آتاهم اللّه من فضله - فحسبوا أنفسهم أغنياء عن اللّه ، لا حاجة بهم إلى جزائه ، ولا إلى الأضعاف المضاعفة التي يعدها لمن يبذل في سبيله - وهو ما يسميه تفضلا منه ومنة إقراضا له سبحانه - وقالوا في وقاحة : ما بال اللّه يطلب إلينا أن نقرضه من مالنا . ويعطينا عليه الأضعاف المضاعفة ، وهو ينهى عن الربا والأضعاف المضاعفة ؟ ! وهو تلاعب بالألفاظ ينم عن القحة وسوء الأدب في حق اللّه :
« لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا : إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ . سَنَكْتُبُ ما قالُوا ! وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ، وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ . ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ ، وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ »
.
وسوء تصور اليهود للحقيقة الإلهية شائع في كتبهم المحرفة . ولكن هذه تبلغ مبلغا عظيما من سوء التصور ومن سوء الأدب معا . . ومن ثم يستحقون هذا التهديد المتلاحق :
« سَنَكْتُبُ ما قالُوا »
. .
لنحاسبهم عليه ، فما هو بمتروك ولا منسي ولا مهمل . . وإلى جانبه تسجيل آثامهم السابقة - وهي آثام جنسهم وأجيالهم متضامنة فيه - فكلهم جبلة واحدة في المعصية والإثم :
« وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ »
. .
وقد حفظ تاريخ بني إسرائيل سلسلة أثيمة في قتل الأنبياء ، آخرها محاولتهم قتل المسيح عليه السلام . . وهم يزعمون أنهم قتلوه ، متباهين بهذا الجرم العظيم . . !
« وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ »
. .
والنص على
« الْحَرِيقِ »
هنا مقصود لتبشيع ذلك العذاب وتفظيعه . ولتجسيم مشهد العذاب بهوله وتأججه وضرامه . . جزاء على الفعلة الشنيعة : قتل الأنبياء بغير حق . وجزاء على القولة الشنيعة : إن اللّه فقير ونحن أغنياء .
182 -
« ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ »
. .
جزاء وفاقا ، لا ظلم فيه ، ولا قسوة :
« وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ »
. .
والتعبير بالعبيد هنا ، إبراز لحقيقة وضعهم - وهم عبيد من العبيد - بالقياس إلى للّه تعالى . وهو يزيد في شناعة الجرم ، وفظاعة سوء الأدب . الذي يتجلى في قول العبيد :
« إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ »
والذي يتجلى كذلك في قتل الأنبياء . .