عاصم لهم إلا الصبر والتقوى ، والمضي مع المنهج ، الذي يزحزحهم عن النار ! وهذا التوجيه الإلهي للجماعة المسلمة في المدينة ما يزال هو هو ، قائما اليوم وغدا ، يبصر كل جماعة مسلمة تعتزم سلوك الطريق ، لإعادة نشأة الإسلام ولاستئناف حياة إسلامية في ظل اللّه . . يبصرها بطبيعة أعدائها - وهم هم مشركين وملحدين وأهل كتاب - الصهيونية العالمية والصليبية العالمية والشيوعية ! - ويبصرها بطبيعة العقبات والفخاخ المرصودة في طريقها ، وبطبيعة الآلام والتضحيات والأذى والابتلاء . ويعلق قلوبها وأبصارها بما هنالك . بما عند اللّه . ويهوّن عليها الأذى والموت والفتنة في النفس والمال . ويناديها - كما نادى الجماعة المسلمة الأولى - :
« كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ ، وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ . فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ . وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ . لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ؛ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً . وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ »
. .
والقرآن هو القرآن . كتاب هذه الأمة الخالد . ودستورها الشامل . وحاديها الهادي . وقائدها الأمين .
وأعداؤها هم أعداؤها . . والطريق هو الطريق . .
* * * 180 -
« وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ ، بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ ، سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ . وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ، وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ . لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا : إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ . سَنَكْتُبُ ما قالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ، وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ . ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ ، وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ . الَّذِينَ قالُوا : إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ . قُلْ : قَدْ جاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّناتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ ، فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ ، إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ؟ فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جاؤُ بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتابِ الْمُنِيرِ »
. .
لم ترد في الآية الأولى من هذه المجموعة رواية مؤكدة ، عمن تعنيهم ، ومن تحذرهم البخل ، وعاقبة يوم القيامة . . ولكن ورودها في هذا السياق يرجح أنها متصلة بما بعدها من الآيات ، في شأن اليهود . فهم - قبحهم اللّه - الذين قالوا إن اللّه فقير ونحن أغنياء . وهم الذين قالوا : إن اللّه عهد إلينا ألا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار .
والظاهر أن الآيات في عمومها نزلت بمناسبة دعوة اليهود إلى الوفاء بالتزاماتهم المالية الناشئة عن معاهدتهم مع الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - ودعوتهم كذلك إلى الإيمان بالرسول - صلى اللّه عليه وسلم - والإنفاق في سبيل اللّه .
وقد نزل هذا التحذير التهديدي ، مع فضح تعلات اليهود في عدم الإيمان بمحمد - صلى اللّه عليه وسلم - ردا على ما بدا من سوء أدبهم مع ربهم ، ومن كذب تعلاتهم ؛ ونزلت معه المواساة للرسول - صلى اللّه عليه وسلم - عن تكذيبهم ، بما وقع للرسل قبله مع أقوامهم . ومنهم أنبياء بني إسرائيل ، الذين قتلوهم بعد ما جاءوهم بالبينات والخوارق كما هو معروف في تاريخ بني إسرائيل :
« وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ ، بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ ، سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ . وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ . وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ »
. .
إن مدلول الآية عام . فهو يشمل اليهود الذين بخلوا بالوفاء بتعهداتهم ، كما يشمل غيرهم ممن يبخلون بما آتاهم اللّه من فضله ؛ ويحسبون أن هذا البخل خير لهم ، يحفظ لهم أموالهم ، فلا تذهب بالإنفاق .