ويسلط عليها الأنوار ، ويكشف عن المخبوء منها في دروب النفس البشرية ومنحنياتها الكثيرة ، ويقف النفس تجاهها مكشوفة عارية ؛ وبذلك يمحص الدخائل ، وينظفها ويطهرها في وضح النور ؛ ويصحح المشاعر والتصورات والقيم ؛ ويقر المبادئ التي يريد أن يقوم عليها التصور الإسلامي المتين ، وأن تقوم عليها الحياة الإسلامية المستقرة . . مما يلهم وجوب اتخاذ الأحداث التي تقع للجماعة المسلمة في كل مكان وسيلة للتنوير والتربية على أوسع نطاق . .
وننظر في التعقيب على غزوة أحد ، فنجد الدقة والعمق والشمول . . الدقة في تناول كل موقف ، وكل حركة ، وكل خالجة ؛ والعمق في التدسس إلى أغوار النفس ومشاعرها الدفينة ؛ والشمول لجوانب النفس وجوانب الحادث . ونجد التحليل الدقيق العميق الشامل للأسباب والنتائج . والعوامل المتعددة الفاعلة في الموقف ، المسيرة للحادث ، كما نجد الحيوية في التصوير والإيقاع والإيحاء ؛ بحيث تتماوج المشاعر مع التعبير والتصوير تماوجا عميقا عنيفا ، ولا تملك أن تقف جامدة أمام الوصف ، والتعقيب . فهو وصف حي ، يستحضر المشاهد - كما لو كانت تتحرك - ويشيع حولها النشاط المؤثر والإشعاع النافذ ، والإيحاء المثير .
5 - وحقيقة خامسة كذلك . . عن واقعية المنهج الإلهي . . فمن وسائل هذا المنهج لإنشاء آثاره في عالم الواقع ، مزاولته بالفعل ، فهو لا يقدم مبادئ نظرية ، ولا توجيهات مجردة . . ولكنه يطبق ويزاول نظرياته وتوجيهاته .
وأظهر مثل على واقعية المنهج في هذه الغزوة ، هو موقفه إزاء مبدأ الشورى . .
لقد كان في استطاعة رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - أن يجنب الجماعة المسلمة تلك التجربة المريرة ، التي تعرضت لها - وهي بعد ناشئة ومحاطة بالأعداء من كل جانب ، والعدو رابض في داخل أسوارها ذاتها - نقول كان في استطاعة رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - أن يجنب الجماعة المسلمة تلك التجربة المريرة التي تعرضت لها ، لو أنه قضى برأيه في خطة المعركة ، مستندا إلى رؤياه الصادقة ؛ وفيها ما يشير إلى أن المدينة درع حصينة ؛ ولم يستشر أصحابه ، أو لم يأخذ بالرأي الذي انجلت المشورة عن رجحانه في تقدير الجماعة ! أو لو أنه رجع عن الرأي عندما سنحت له فرصة الرجوع ، وقد خرج من بيته ، فرأى أصحاب هذا الرأي نادمين أن يكونوا قد استكرهوه على غير ما يريد ! ولكنه - وهو يقدر النتائج كلها - أنفذ الشورى . وأنفذ ما استقرت عليه ، ذلك كي تجابه الجماعة المسلمة نتائج التبعة الجماعية ، وتتعلم كيف تحتمل تبعة الرأي ، وتبعة العمل . لأن هذا في تقديره - صلى اللّه عليه وسلم - وفي تقدير المنهج الإسلامي الذي ينفذه ، أهم من اتقاء الخسائر الجسيمة ، ومن تجنيب الجماعة تلك التجربة المريرة . فتجنيب الجماعة التجربة معناه حرمانها الخبرة ، وحرمانها المعرفة ، وحرمانها التربية ! ثم يجيء الأمر الإلهي له بالشورى - بعد المعركة كذلك - تثبيتا للمبدإ في مواجهة نتائجه المريرة . فيكون هذا أقوى وأعمق في إقراره من ناحية ، وفي إيضاح قواعد المنهج من ناحية . .
إن الإسلام لا يؤجل مزاولة المبدأ حتى تستعد الأمة لمزاولته ! فهو يعلم أنها لن تستعد أبدا لمزاولته إلا إذا زاولته فعلا ، وأن حرمانها من مزاولة مبادئ حياتها الأساسية - كمبدإ الشورى - شر من النتائج المريرة التي تتعرض لها في بدء استعماله ، وأن الأخطاء في مزاولته - مهما بلغت من الجسامة - لا تبرر إلغاءه ، بل لا تبرر وقفه فترة من الوقت ، لأنه إلغاء أو وقف لنموها الذاتي ، ونمو خبرتها بالحياة والتكاليف . بل هو إلغاء لوجودها كأمة إطلاقا ! وهذا هو الإيحاء المستفاد من قوله تعالى - بعد كل ما كان من نتائج الشورى في المعركة :
« فَاعْفُ عَنْهُمْ ،