تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 530

مساهمون:

ص٥٣٠
تركهم يذوقون عاقبة تصرفاتهم تلك ، وابتلاهم ذلك الابتلاء الشاق المرير . . ولكنه لم يطردهم خارج الصف ، ولم يقل لهم : إنكم لا تصلحون لشيء من هذا الأمر ، بعد ما بدا منكم في التجربة من النقص والضعف . . لقد قبل ضعفهم هذا ونقصهم ، ورباهم بالابتلاء ، ثم رباهم بالتعقيب على الابتلاء ، والتوجيه إلى ما فيه من عبر وعظات . في رحمة وفي عفو وفي سماحة ؛ كما يربت الكبير على الصغار ؛ وهم يكتوون بالنار ، ليعرفوا ويدركوا وينضجوا . وكشف لهم ضعفهم ، ومخبآت نفوسهم ، لا يفضحهم بها ، ويرذلهم ، ويحقرهم ، ولا ليرهقهم ويحملهم ما لا يطيقون له حملا . ولكن ليأخذ بأيديهم ، ويوحي إليهم أن يثقوا بأنفسهم ولا يحتقروها ولا ييأسوا من الوصول ما داموا موصولين بحبل اللّه المتين . ثم وصلوا . . وصلوا في النهاية ، وغلبت فيهم النماذج التي كانت في أول المعركة معدودة . وإذا هم في اليوم التالي للهزيمة والقرح ، يخرجون مع رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - غير هيّابين ولا مترددين ولا وجلين من تخويف الناس لهم حتى استحقوا تنويه اللّه بهم :
« الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ ، فَزادَهُمْ إِيماناً ، وَقالُوا : حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ »
. . ولما كبروا بعد ذلك شيئا فشيئا . . تغيرت معاملتهم ، وحوسبوا كما يحاسب الرجال الكبار . بعد ما كانوا يربتون هنا كما يربت الأطفال ! والذي يراجع غزوة تبوك في سورة براءة ؛ ومؤاخذة اللّه ورسوله للنفر القلائل المتخلفين ، تلك المؤاخذة العسيرة ، يجد الفرق واضحا في المعاملة ؛ ويجد الفرق واضحا في مراحل التربية الإلهية العجيبة . كما يجد الفارق بين القوم يوم أحد ، والقوم يوم تبوك . . وهم هم . . ولكن بلغت بهم التربية الإلهية هذا المستوي السامق . . ولكنهم مع هذا ظلوا بشرا . وظل فيهم الضعف ، والنقص ، والخطأ . ولكن ظل فيهم كذلك الاستغفار والتوبة والرجوع إلى اللّه . إنها الطبيعة البشرية التي يحافظ عليها هذا المنهج ؛ ولا يبدلها أو يعطلها ، ولا يحملها ما لا تطيق . وإن بلغ بها أقصى الكمال المقدر لها في هذه الأرض . وهذه الحقيقة ذات قيمة كبيرة في إعطاء الأمل الدائم للبشرية ، لتحاول وتبلغ ، في ظل هذا المنهج الفريد . فهذه القمة السامقة التي بلغتها تلك الجماعة ، إنما بدأت تنهد إليها من السفح الذي التقطها منه . وهذه الخطى المتعثرة في الطريق الشاق زاولتها جماعة بشرية متخلفة في الجاهلية . متخلفة في كل شيء . على النحو الذي عرضنا نماذج منه في سياق هذا الدرس . . وكل ذلك يعطي البشرية أملا كبيرا في إمكان الوصول إلى ذلك المرتقى السامي ، مهما تكن قابعة في السفح . ولا يعزل هذه الجماعة الصاعدة ، فيجعلها وليدة معجزة خارقة لا تتكرر . فهي ليست وليدة خارقة عابرة . إنما هي وليدة المنهج الإلهي ، الذي يتحقق بالجهد البشري ، في حدود الطاقة البشرية - والطاقة البشرية كما نرى قابلة للكثير ! هذا المنهج يبدأ بكل جماعة من النقطة التي هي فيها ، ومن الواقع المادي الذي هي فيه . ثم يمضي بها صعدا كما بدأ بتلك الجماعة من الجاهلية العربية الساذجة . . من السفح . . ثم انتهى بها في فترة وجيزة لم تبلغ ربع قرن من الزمان ، إلى ذلك الأوج السامق . . شرط واحد لا بد أن يتحقق . . أن تسلم الجماعات البشرية قيادها لهذا المنهج . أن تؤمن به . وأن تستسلم له . وأن تتخذه قاعدة حياتها ، وشعار حركتها ، وحادي خطاها في الطريق الشاق الطويل . . 3 - وحقيقة ثالثة تمخضت عنها المعركة والتعقيب عليها . . حقيقة الارتباط الوثيق في منهج اللّه بين واقع النفس المسلمة والجماعة المسلمة ، وبين كل معركة تخوضها مع أعدائها في أي ميدان . الارتباط بين العقيدة والتصور
في ظلال القرآن — صفحة 530 | سيد قطب